|
وَحْدة
الإيمان وتعدّديّة اللاهوت[1]>
(1972م)[2]
أبعاد
الإشكاليّة
١. إنّ
وحدة الإيمان وتعدّديّة التعبير عنه لهما أساسهما النهائيّ في سرّ
المسيح ذاته، الذي، مع كونه سرَّ التحقيق الشامل والمصالحة[3]، يتجاوز
إمكانات التعبير في أيّ عصرٍ كان، ومن ثمّ يتفادى كلّ تنظيمٍ نظريٍّ
شامل[4].
٢. إنّ
وَحدة العهدين القديم والجديد وثنائيّتهما، بوصفهما التعبير التاريخيّ
الجوهريّ للإيمان المسيحيّ، تقدّمان نقطة انطلاقٍ ملموسة لوحدة هذا
الإيمان وتعدّديّة تعبيراته.
٣. إنّ
ديناميكيّة الإيمان المسيحيّ وطابعه الإرساليّ يقتضيان أن يُعبَّر عنه
بلغة العقل؛ فالإيمان ليس فلسفةً، غير أنّه يوجّه تفكير الإنسان.
٤. ترتبط
حقيقة الإيمان بحركته المتّجهة إلى الأمام عبر التاريخ بدايةً من
إبراهيم حتّى المسيح، ومن المسيح إلى المجيء الثاني (الپاروسيا). ومن
ثَمّ، فإنّ الأرثوذكسيّة (استقامة الإيمان) ليست الموافقة الخالصة على
نسقٍ فكريّ، بل المشاركة في حركة الإيمان المتقدّمة، ومن ثَمّ، في
ذاتيّة الكنيسة وهُويّتها التي تستديم متطابقة طوال الدهور كلّها مع
الموضوع الحقيقيّ لقانون الإيمان.
٥. إنّ
كون حقيقة الإيمان تُعاش في حركةٍ متّجهة إلى الأمام يقتضي ارتباطها
بالممارسة (البراكسيس) وبتاريخ هذا الإيمان. وبما أنّ الإيمان المسيحيّ
يتأسّس على "الكلمة" المتجسّد، فإنّ طابعه التاريخيّ والعمليّ يميّزه
في جوهره عن صيغة ذات صبغةٍ تاريخانيّة فيها الإنسان وحده خالق
اتّجاهه.
٦.
الكنيسة هي الذات الشاملة التي تعطي الوحدة لكلٍّ من لاهوتيّات العهد
الجديد وللعقائد كما تظهر خلال التاريخ. وتقوم على أساس اعتراف الإيمان
بيسوع المسيح في موته وقيامته، الذي تعلنه وتحتفل به بقوّة الروح
القدس.
٧. إنّ
المعيار الذي يجعل التمييز ممكنًا بين التعدّديّة الحقيقيّة والزائفة
هو إيمان الكنيسة كما يُعبَّر عنه في مجموع إعلاناتها: حيثُ المعيار
الجوهريّ هو الكتاب المقدّس في عَلاقته باعتراف "الكنيسة المؤمنة
والمصلّية". وبين الصيغ العقيديّة، فإنّ المتعلّقة بالمجامع الأولى لها
الأوّلويّة. ثمّ إنّ الصيغ المعبّرة عن انعكاسٍ ما للفكر المسيحيّ
ثانويّة، مقارنةً بتلك المعبِّرة عن حقائق الإيمان ذاتها.
٨. حتّى
لو شجّع وضعُ الكنيسة الراهنُ التعدّديّة، فستكتشف التعدّديّة حدودها،
في حقيقة أنّ الإيمان يخلق الشركة بين الناس في الحقّ، التي يمكن
الوصول إليها في المسيح. هذا يؤدّي إلى عدم قبول كلّ مفهومٍ للإيمان،
يختزله إلى تعاونٍ براجماتيّ صِرف، يفتقد إلى أيّ إحساسٍ بالشركة في
الحقّ. وليس هذا الحقُّ مرتبطًا بأيّ تصنيفٍ لاهوتيّ مؤسّسيّ تنظيميّ،
غير أنّه يُعبَّر عنه في إعلانات الإيمان المعياريّة. وإذا واجهتْه
تصريحاتٌ عقيديّة غامضة للغاية، بل ربّما غير متناغمة مع إيمان
الكنيسة، فإنّ للكنيسة القدرةَ على تمييز الخطأ، وواجب التخلّص منه، بل
واجب اللّجوء إلى الرفض الرسميّ للهرطقة الذي بمثابة علاجٍ نهائيّ
لحماية إيمان شعب الله.
٩. لأنّ
الإيمان المسيحيّ شاملٌ وكرازيّ، فإنّ الأحداث والأقوال التي أعلنها
اللهُ يجب إعادة التفكير فيها كلّ مرّة، وإعادة صياغتها، أو أن تُعاش
مجدّدًا في كلّ ثقافة إنسانيّة، إذا كنّا نريد لها أن تُلهِم الصلاة
والعبادة والحياة اليوميّة لشعب الله. وهكذا، يقود إنجيل المسيح كلّ
ثقافة نحو كمالها، ويخضعها في الوقت ذاته لنقد بنّاء. ثمّ إنّ الكنائس
المحلّيّة، التي بإرشاد من رعاتها، الذين يُخضعون أنفسهم للقيام بهذه
المهمّة الشاقّة الخاصّة بتجسيد الإيمان المسيحيّ، عليهم أن يحافظوا
دائمًا على استمراريّتها وشركتهم مع الكنيسة الجامعة[5] في
الماضي والحاضر. ثمّ إنّه بفضل جهودهم يسهمون في تعميق الحياة
المسيحيّة، كما يسهمون بالقدر نفسه في تقدّم التفكير اللاهوتيّ في
الكنيسة الجامعة، مرشدين الجنس البشريّ بكلّ تنوّعه وتباينه نحو
الوَحْدة التي يريدها الله.
الطبيعة
الدائمة لصيغ العقيدة
١٠. يجب
النظر إلى الصيغ العقيديّة بوصفها ردودًا على أسئلةٍ بعينها، وبهذا
المعنى، تبقى دائمًا صحيحة. أمّا قيمتها الدائمة فتعتمد على العَلاقة
المستمرّة بهذه الأسئلة موضع اهتمامها، وفي الوقت نفسه لا يجب أن ننسى
الأسئلة المتعاقبة التي يطرحها المسيحيّون على أنفسهم والمتعلّقة بفهم
كلمة الله، وكذلك بالحلول المكتشَفة بالفعل، وليدةً لهذه الحلول كلّ
منها في علاقتها بالأخرى. ولذلك، فإنّ إجابات اليوم تفترض بطريقةٍ ما
تلك التي كانت بالأمس ولو لا يمكن اختزالها، لتكون هي إجابات الأمس
عينها.
١١.
تستخدم التعريفات الخاصّة بالعقيدة لغةً مشترَكة في العادة، في الوقت
الذي قد تستفيد فيه، على ما يبدو، بمصطلحاتٍ فلسفيّة، غير أنّ "الكنيسة
لا تلتزم بذلك بأيّ فلسفةٍ معيّنة"، ولا تشغل فكرها إلّا بالحقائق
الأساسيّة للاختبار البشريّ الشامل، والتي جعلتْها المصطلحات التي نحن
بصددها قادرةً على التمييز بينها.
٢١. هذه
التعريفات، لا يجب أن ننظر إليها على الإطلاق بمعزلٍ عن التعبير
الحقيقيّ الخاصّ بكلمة الله، على نحو ما جاءت به في الأسفار المقدّسة،
أو فصلها عن رسالة الإنجيل بأكملها الموجَّهَة إلى كلّ عصر. كما أنّها
تقدِّم لتلك الرسالة معاييرَ مناسبةً أكثر لتفسير الإعلان الإلهيّ. ومع
ذلك، يبقى هذا الإعلان الإلهيّ دائمًا هو هو نفسه، ليس في جوهره وحسب،
بل في عباراته الأساسيّة أيضًا.
التعدّديّة والوَحْدة في الأخلاقيّات
31.
تظهر التعدّديّة في الأخلاقيّات أوّلًا عند تطبيق المبادئ العامّة على
الظروف الملموسة، وقد أُكِدَ عليها عندما حدث الاتّصال بين الثقافات،
التي تجهل كلٌّ منها الأخرى، أو نتيجة التغيّرات السريعة في المجتمع.
ومع ذلك، ظهرتْ وحدةٌ أساسيّة في تقديرٍ عامّ للكرامة الإنسانيّة،
حاملةً معها أوامرَ تتعلّق بالسلوك في حياة البشر. يعبّر ضمير كلّ
إنسان عن عددٍ مميّز من المطالب الأساسيّة[6]،
والمعترَف بها على أيّامنا بتعبيراتٍ عامّة عن حقوق الإنسان الأساسيّة.
14. تقوم
الوحدة في الأخلاقيّات المسيحيّة على أساس مبادئ ثابتة، تضمّنَها
الكتاب المقدّس وأوضحها التقليد، وقُدِّمتْ إلى كلّ جيلٍ بواسطة سلطان
التعليم الكنسيّ. فلنتذكّر التأكيدات الرئيسة الملخِّصة لها: وصايا ابن
الله ومثاله، فهي تكشف لنا قلب الله أبيه؛ والتمثّل بموته وقيامته،
والحياة بالروح في حضن الكنيسة بإيمانٍ ورجاءٍ ومحبّة، حتّى نتجدّد
وَفْقًا لصورة الله.
٥١.
الوحدة الأساسيّة في الإيمان والشركة لا تعوق الدعوة والتفضيلات
الشخصيّة في طريقة التناغم مع سرّ المسيح وسرّ الحياة.
إنّ
الحرّيّة المسيحيّة[7]، بعيدةً
عن أن تعني تعدّديّة بلا حدود، تتطلّب جهادًا نحو الحقيقة الموضوعيّة
الكاملة، كما تتطلّب الصبرَ على الضمائر الأضعف[8].
إنّ
احترام استقلاليّة القيم الإنسانيّة والمسؤوليّات المشروعة في هذا
المجال يتيح إمكانيّة تحليلاتٍ وخياراتٍ متنوّعة تتعلّق بالأمور
الزمنيّة لدى المسيحيّين. وهذا التنوّع متوافقٌ مع الطاعة والمحبّة
الكاملتين[9].
[1]Unity of the Faith and
Theological Pluralism (1972).
[2] ووفِق على نصّ الاقتراحات في الاجتماع
الذي حضره جميع الأعضاء بتاريخ 10-11 أكتوبر 1972، أمّا النصّ
الكامل فموافق عليه بإجماع الأعضاء الحاضرين.
[3]أف 2: 11-22.
[4]أف 3: 8-10.
[5] Universal.
[6] روم 2: 14.
[7] غل 5: 13.
[8] روم 14: 15؛ 1قور8.
[9] فرح ورجاء، ٤٣.
|