|
(٤)
التعليمُ الكاثوليكيّ والخلافةُ الرسوليّة[1]
(١٩٧٣م)[2]
تهدف هذه الدراسة، من جهةٍ، إلى إلقاء الضوء على مفهوم
الخلافة الرسوليّة، لأنّ عرض التعليم الكاثوليكيّ بوضوحٍ يبدو أمرًا مفيدًا للكنيسة
الكاثوليكيّة كلّها. ومن جهةٍ أخرى، تأتي هذه الدراسة استجابةً لمقتضيات الحوار
المسكونيّ، الذي يجري منذ فترة في مناطق مختلفة من العالم، ويحمل آفاقًا واعدة،
شريطة أن يظلّ الكاثوليك المشاركون فيه أمناء لهويّتهم الكاثوليكيّة. من ثمّ، نقترح
عرض التعليم الكاثوليكيّ حول الخلافة الرسوليّة، تثبيتًا لإخوتنا في الإيمان،
وإسهامًا في نضج الحوار المسكونيّ.
ونستهلّ هذه الدراسة بذكر بعض الصعوبات التي كثيرًا ما
تُواجَه في هذا المجال:
(1) ما الذي يمكن استنتاجه علميًّا من شهادة العهد
الجديد؟ وكيف يمكن إظهارُ الاستمراريّة بين العهد الجديد وتقليد الكنيسة؟
(2) ما مكانة وضعِ الأيدي في الخلافة الرسوليّة؟
(3) ألا تظهر نزعة في بعض الأوساط إلى اختزال الخلافة
الرسوليّة في الرسوليّة المشتركة للكنيسة كلّها، أو على العكس، اختزال رسوليّة
الكنيسة في الخلافة الرسوليّة؟
(4) كيف يمكن تقييم خِدَم الكنائس والجماعات المسيحيّة
الأخرى في علاقتها بالخلافة الرسوليّة؟
تكمن خلف كلّ هذه الأسئلة مشكلةُ العَلاقة بين الكتاب
المقدّس والتقليد والتحديدات العقيديّة للكنيسة.
أمّا الفكرة الفكرة الرئيسة التي توجّه تفكيرنا فتنبع
من رؤية الكنيسة كما أرادها الله الآب، "المنبثقة من سرّ المسيح الفصحيّ،
التي يحييها الروحُ القدس"، والمُنظَّمة تنظيمًا عضويًّا. ونرجو أن نضع الوظيفة
الخاصّة والجوهريّة للخلافة الرسوليّة في إطار الكنيسة كلّها التي تعترف بإيمانها
الرسوليّ وتشهد لربّها.
ونستند على الكتاب المقدّس، الذي يحمل لنا قيمةً
مزدوجة: "بوصفه سجلًّا تاريخيًّا، ووثيقةً مُوحًى بها من الله". فمن ناحية، يُعَدّ
الكتاب المقدّس سجلًّا تاريخيًّا، إذ يروي أهمّ الأحداث في رسالة يسوع وفي حياة
كنيسة القرن الأوّل. ومن ناحيةٍ أخرى، هو وثيقة موحًى بها من الله، ويفسّرها في
الوقت عينه، كاشفًا معناها الداخليّ وترابطها الديناميّ. وبوصفه تعبيرًا عن فكر
الله بلغة البشر، فله قيمةٌ معياريّة لتفكير كنيسة المسيح في كلّ العصور.
غير أنّ كلّ تفسيرٍ للكتاب المقدّس يراه موحًى به، ومن
ثمّ معيارًا لجميع الأزمنة، هو بالضرورة تفسيرٌ يجري داخل تقليد الكنيسة، الذي
يعترف بالكتاب المقدّس بوصفه موحًى به ومعياريًّا. إنّ الإقرار بالطابع المعياريّ
للكتاب المقدّس يتضمّن، في جوهره، الإقرار بذلك التقليد الذي في إطاره تكوَّن
الكتاب المقدّس، وعُدَّ وقُبِلَ بوصفه موحًى به. ومن ثمّ، فإنّ الطابع المعياريّ
للكتاب المقدّس وعلاقته بالتقليد يسيران معًا. والنتيجة أنّ أيّ اعتبارٍ لاهوتيّ
بشأن الكتاب المقدّس هو في الوقت ذاته اعتبارٌ كنسيّ.
وهذه، إذًا، هي نقطة الانطلاق المنهجيّة لهذه الوثيقة:
إنّ أيّ محاولة لإعادة بناء الماضي من خلال اختيار عباراتٍ معزولة من تقليد العهد
الجديد، وفصلها عن الطريقة التي تلقّاها بها تقليد الكنيسة الحيّ، هي محاولةٌ
متناقضة.
أمّا المنهج اللاهوتيّ الذي يرى الكتاب المقدّس كلّه
وحدةً غير قابلة للتجزئة، ويربطه بحياة الجماعة الأولى وفكرها الذي تعترف به وتقبله
كتابًا مقدّسًا، فلا يعني أنّ الأحكام التاريخيّة الصحيحة تُستبعَد سلفًا بسبب
افتراضٍ كنسيٍّ مُسبَق، لأنّ ذلك يجعل من المستحيل تقديم تفسيرٍ منسجم مع متطلّبات
المنهج التاريخيّ.
إنّ المنهج المعتمَد هنا يمكّن من إدراك حدود
التاريخانيّة المحضة: فهو يقرّ بأنّ التحليل التاريخيّ البحت لكتابٍ ما، معزولًا عن
آثاره وتأثيره، لا يستطيع أن يبرهن يقينًا أنّ الطريق الذي تطوّر به الإيمان في
التاريخ كان الطريق الممكن الوحيد. غير أنّ هذه الحدود للبرهان التاريخيّ، التي لا
يمكن الشكّ فيها، لا تُبطِل قيمة المعرفة التاريخيّة وثقلها. بل إنّ حقيقة أنّ
الكنيسة الأولى قبلت الكتاب المقدّس بوصفه عنصرًا تأسيسيًّا هي أمرٌ ينبغي التأمّل
فيه على الدوام. أي ينبغي لنا أن نعيد التفكير، مرّةً بعد مرّة، في العلاقة
والاختلافات والوحدة بين العناصر المتباينة.
وهذا يعني أيضًا أنّه لا يمكن تفكيك الكتاب المقدّس إلى
فقراتٍ أو أجزاء لا ترابط بينها، يشكّل كلٌّ منها محاولةً للتعبير عن أسلوب حياةٍ
قائم على يسوع الناصريّ؛ بل يجب فهمه بوصفه تعبيرًا عن انكشافٍ يحدث من خلال مسارٍ
تاريخيّ يعلن عن وحدة الكنيسة وجامعيّتها.
توجد ثلاث مراحل كبرى على طول هذا المسار: الزمن السابق
للفصح، والفترة الرسوليّة، والفترة ما بعد الرسوليّة، ولكلّ مرحلةٍ قيمتها
النوعيّة. ومن اللافت أنّ ما يسمّيه دستور كلمة الله رقم18«الرجال
الرسوليّين»، قد كان مسؤولًا عن بعض كتابات "العهد الجديد".
وهذا يساعد على إدراك كيف أنّ جماعة يسوع المسيح
حلّتْ مشكلة بقائها جماعةً رسوليّة مع أنّها أصبحتْ ما بعد رسوليّة. وهذا يفسّر
السبب في أنّ الجزء ما بعد الرسوليّ من العهد الجديد له سمةٌ معياريّة للكنيسة في
زمنٍ لاحق، لأنّ الكنيسة يجب أن تَبْني على الرسل الذين أساسهم المسيح نفسه. وفي
كتابات الحقبة ما بعد الرسوليّة، يشهد الكتاب المقدّس نفسه للتقليد، ويقدّم دليلًا
على السلطة التعليميّة للكنيسة، إذ يستحضر تعليم الرسل[3]. وسلطةُ تعليم الكنيسة هذه، تبدأ
حقًّا في التبلور في القرن الثاني، في الوقت الذي أصبحتْ فيه فكرة الخلافة
الرسوليّة معروفةً بوضوحٍ صريح.
وإذا أُخذ الكتابُ المقدّس والتقليد معًا، وجرى
التأمّل فيهما، وفسّرتهما السلطة التعليميّة في الكنيسة تفسيرًا أصيلًا، فإنّهما
ينقلان إلينا بأمانةٍ تعليمَ المسيحِ ربّنا ومخلّصنا، ويحدّدان التعليم الذي تتمثّل
رسالة الكنيسة في إعلانه لجميع الشعوب وتطبيقه على كل جيل حتّى نهاية العالم. وفي
إطار هذا المنظور اللاهوتي، المتناغم تمامًا مع تعليم المجمع الڤاتيكاني الثاني،
كتبنا هذه الوثيقة عن الخلافة الرسوليّة، وقيّمنا الخِدم الكنسيّة الموجودة في
الكنائس والجماعات التي ليست في شركة تامّة مع الكنيسة الكاثوليكيّة.
أوّلًا: رسوليّةُ الكنيسة والكهنوت المشترك
(1) تعترفُ قوانينُ الإيمان، بإيمانها برسوليّةِ
الكنيسة. ولا يَعني هذا أنّ الكنيسةَ تواصل التمسّكَ بالإيمان الرسوليّ فحسب، بل
إنّها تلتزم أن تحيا وفق معيار الكنيسة الأولى، المستمدّ من شهادة المسيح الأولى،
وبإرشاد الروح القدس الذي أعطاه المسيح للكنيسة بعد قيامته. وتُظهر الرسائل وسفر
أعمال الرسل مدى فاعليّة حضور الروح القدس في الكنيسة كلّها، وتُبيّن أنّ هذا
الحضور لم يقتصر على الانتشار، بل تجلّى، قبل كلّ شيء، في تغيير القلوب. فالروح
القدس يجعلهم على صورة يسوع المسيح ويُدخلهم في مشاعره. ويكرّرُ إسطفانُس، الشهيد
الأوّل في الكنيسة، كلماتِ المغفرة التي قالها ربّه مستودِعًا روحه على الصليب، وقد
ضُرب بطرس ويوحنّا، وفرحا لأنّهما وُجدا مُستحقَّيْن أن يتألّما معه، وحمل بولس في
جسدِه سماتِ المسيح[4]،
وسعي إلى التشبّه بموته[5]،
ولم يُرِد أن يعرف شيئًا سوى المسيح وإيّاه مصلوبًا[6]، وعدَّ حياته كلّها اشتراكًا في ذبيحة
المسيح الكفّاريّة على الصليب.[7]
(2) وهذا التشبّه بمشاعر المسيح، ولا سيّما بموته
الذبيحيّ من أجل العالم، يمنح المعنى الأخير لحياة الذين يريدون أن يحياوا حياةً
مسيحيّة روحيّة رسوليّة.
ومن هنا، أخذت الكنيسة الأولى اللغة الكهنوتيّة
المستخدمة في العهد القديم، وطبّقتْها أوّلًا على المسيح حمل الفصح، في العهد
الجديد[8]، ثمّ
على المسيحيّين الذين أسّسوا حياتهم على سرّ فصح المسيح. وإذ تجدّدوا بالكرازة
بالإنجيل، كانوا مقتنعين بأنّهم يعيشون كهنوتًا مقدّسًا وملوكيًّا، يُمثّل البعد
الروحيّ لكهنوت العهد القديم.[9] وقد
صار ذلك ممكنًا بفعل تقدمة نفسِه ذبيحةً ذلك الذي يجمع في ذاته (بصفته الرأس) جميع
ذبائح الناموس ويفتح الطريق أمام ذبيحة الكنيسة الكاملة والإسكاتولوجيّة[10].
ويقدّم المسيحيّون، بصفتهم حجارةً حيّة في بناء الكنيسة
الجديد القائمة على المسيح، عبادةً لله بالروح القدس، الذي يجدّدهم. وتتميّز
عبادتهم بطابعٍ شخصيّ، إذ عليهم أن يقدّموا أجسادهم ذبيحةً حيّة، مقدّسة، ومرضية
لدى الله[11]،
وبطابعٍ جماعيٍّ أيضًا لأنّهم معًا يكوّنون حقًّا «بيتًا روحيًّا»، «كهنوتًا
ملوكيًّا»، و«أمّة مقدّسة»[12]،
وغايتهم تقديمُ «ذبائحَ روحيّة جعلها يسوع مُرْضيّة عند الله»[13].
لهذا الكهنوت بعدٌ أدبيّ، إذ علينا أن نمارسَه يوميًّا
وفي أحوالٍ عاديّة. وله أيضًا بعدُه الإسخاتولوجيّ، لأنّه في الأبديّة العتيدة
وعَدَ المسيحُ بأن يجعلنَا «ملوكًا وكهنة لخدمة الله أبيه»[14]، وله أيضًا بُعدٌ
ثقافيّ ليتورجيّ، إذ إنّ الإفخارستيّا التي يحيا بها المؤمنون، يقارنها بولس بذبائح
ناموس العهد القديم، بل وبذبائح الوثنيّين، ليُبرِز تباينًا حاسمًا[15].
(3) وأقام المسيح خدمةً من أجل تأسيس هذا الكهنوت
المسيحيّ وتنشيطه وحفظه. ولهذه الخدمة أن تكون العلامة والأداة التي من خلالها ينقل
إلى شعبه على مدى التاريخ ثمارَ حياتِه وموتِه وقيامته. وقد وضعَ الأساسَ الأوّلَ
لهذه الخدمة، عندما دعا يسوعُ الاثني عشر، الذين في الوقتِ ذاته، يمثّلون إسرائيلَ
الجديد بشكلٍ كامل. وبعد "الفِصح"، وبصفتهم شهودَه المتميّزين، أُرسلوا للكرازة
بإنجيلِ الخلاص، وأصبحوا قادةَ الشعبِ الجديد، عاملين مع اللهِ لبناء هيكله.[16] وتتضمّن هذه
الخدمةُ مهمّةً بالغة الأهمّيّة يجب تحقيقُها في كلّ جيلٍ من المسيحيّين،
ولهذا، يجب أن تنتقلَ من الرسلِ عن طريقِ خطٍّ لا ينقطع من الخلافة. وإذا كان بوسع
المرء أن يقول: إنّ الكنيسة ككلّ قد أقيمت على أساسِ الرُسل[17]، فلا بدّ له أن يضيفَ أنّ هذه
الخدمةَ الرسوليّة العامّة، المشترَكة بالنسبة للكنيسة كلّها، إنّما ترتبطُ بخلافةِ
الخدمة الرسوليّة، وأنّ هذا يشكّل بنيةً كنسيّة لا يمكن التصرّف فيها، وهي في خدمة
جميع المسيحيّين.
ثانيًا: أصالةُ أساس الكنيسة الرسوليّ
لأساسِ الكنيسة الرسوليّ سماتُه الخاصّة: فهو تاريخيّ
كما أنّه روحيّ.
فهو تاريخيّ بمعنى أنّه وُجِد نتيجة عملِ المسيح أثناء
خدمته بالجسد على الأرض: دعوة الاثني عشر في مُستهلّ خدمته العلنيّة، وتكليفهم أن
يمثِّلوا إسرائيلَ الجديد، وينخرطوا بشكلٍ أوثقَ في رحلته الفصحيّة، التي تبلغ
ذروتها في الصليب والقيامة.[18] ولم
تُلْغِ القيامة بنية ما قبل الفصح، بل على العكس، أكّدتها فعليًا. وبطريقة خاصة،
جعل المسيحُ الاثني عشر شهودًا لقيامته، فتصدّروا القائمة التي أعدّها قبل موته.
ويتضمّن أقدم اعترافٍ إيمانيّ بالمسيح القائم ذكر بطرس والاثني عشر بكونهم شهودًا
اختصّهم بهذه الشهادة لقيامته (قورنتس الأولى).
إنّ أولئك الذين ارتبطوا بيسوعَ، منذ بداية خدمته حتّى
عشيّة موته الفصحيّ، قادرون على أن يشهدوا علانية بأنّ يسوع نفسه هو «الذي
قام»[19]،
وبعد ارتداد يهوذا، وحتّى قبلَ الخمسين، كان الاهتمام الأوّل للأحد عشر هو أن
يقيموا بدلًا منه في خدمتهم الرسوليّة واحدًا من التلاميذ الذين رافقوا يسوع منذ
معموديّته، ليكون معهم شاهدًا لقيامته[20].
فوق ذلك، فإنّ بولس، الذي دعاه الربّ القائم نفسه إلى الرسوليّة، وأصبحَ بذلك جزءًا
من أساس الكنيسة، كان واعيًا لضرورة أن يكون في شركة مع الاثني عشر.
وليس هذا الأساسُ تاريخيًّا فحسب، بل هو روحيّ أيضًا.
لأنّ فصح المسيح، الذي استُبق في العشاء الأخير، يؤسِّس العهد الجديد؛ ومن ثمّ،
يشمل تاريخ البشريّة كاملًا. إنّ الإرساليّة، بما تشمله من الكرازة بالإنجيل
والتدبير والمصالحة والتقديس، التي اؤتمن عليها الشهود الأوائل، لا يمكن حصرها في
فترة حياتهم فقط. أمّا فيما يتعلّق بسرّ الإفخارستيّا، فإنّ التقليد، الذي وُضعتْ
خطوطه العريضة منذ القرن الأوّل (حسب لوقا ويوحنّا)، يعلن أنّ مشاركة الرسل في
العشاء الأخير منحتْهم السلطان لرئاسة الاحتفال الإفخارستيّ.
وهكذا، تُعدّ الخدمةُ الرسوليّة مؤسّسةً إسكاتولوجيّة،
تظهر أصولها الروحيّة في صلاة المسيح، الملهمة من الروح القدس، التي فيها يميّز
إرادة الآب، كما في سائر اللحظات الحاسمة من حياته[21]، وتكتمل تمامًا مشاركةُ الرسل
الروحيّةُ لسرّ المسيح بعطيّة الروحِ القدس بعد الفصح[22]. وقد ذكَّرهم الروحُ القدس بكلّ ما
سبق أن قاله يسوع [23]،
وقادهم إلى فهمٍ أعمق لسرّه[24].
أمّا الكرازة[25]،
فلكي تُفهم على نحوٍ صحيح، فلا يجب أن تُفصل أو يُنظر إليها بمعزل عن إيمان الاثني
عشر وبولس،الذي توصّلوا إليه من خلال ارتدادهم إلى الربّ يسوع، أو عن طريق الشهادة
له التي تجلّتْ في حياتهم.
ثالثًا: الرسل والخلافة الرسوليّة في التاريخ
تُبيِّن نصوص العهد الجديد أنّه في الأيّام الأولى
للكنيسة، وخلال حياة الرسل، وُجد تنوّع في طرق تنظيم الجماعات، كما ظهرت، في الفترة
التي تلت ذلك مباشرةً، نزعةٌ إلى تثبيت خدمة التعليم والقيادة وتعزيزها. إنّ أولئك
الذين وجَّهوا الجماعات إبّان حياة الرسل أو بعد رحيلهم يحملون أسماءً مختلفة في
نصوص العهد الجديد:
πρεσβύτεροι-ἐπίσκοποι بريسبوتيروي-إبيسكوبوي
(الشيوخ-المشرفون، الأساقفة)، ويُوصَفون بأنّهم:
ποιμένες بويمينِس (رعاة)،
ἡγούμενοι هيغومِنوي (رؤساء)،
προϊστάμενοι بروإستامينوي (مدبّرون)،
κυβερνήσεις كيبيرنيسيس (قيادة/مدبِّرو الجماعة).
وبالمقارنة ببقيّة الكنيسة، فإنّ السِّمة الخاصّة ب
بريسبوتيروي-إبيسكوبوي تتمثّل في خدمتهم الرسوليّة في التعليم والتدبير. وأيًّا
كانت الطريقة التي اختيروا بها، سواء بسلطة الاثني عشر أو بولس أو من خلال ارتباطٍ
بهم، فإنّهم يشتركون في سلطة الرسل الذين أقامهم المسيح، والذين يحتفظون على الدوام
بطابعهم الفريد.
وبمرور الوقتِ، شهدتْ هذه الخدمةُ تطوّرًا.
وحدثَ هذا التطوّرُ لحاجةٍ داخليّة. وقد شجّعتْ على هذا عواملُ خارجيّة، وفي
مقدّمتِها الحاجةُ إلى المحافظة على وحدة الجماعات، والدفاع عنها ضدّ الأخطاء.
وعندما حُرمت الجماعات وجود الرسل الفعليّ، أرادت الرجوعَ إلى سلطانهم، وكان لا بدّ
من طريقةٍ ما لاستمرار ممارسة المهمّات التي مارسها الرسل فيها وفي ما يتّصل بها.
تعكس نصوص العهد الجديد أصداء الانتقال من العصر
الرسوليّ إلى العصر الذي يليه، حيث يبدأ المرء في ملاحظة بوادر التطوّر خلال القرن
الثاني، ممّا أدّى إلى استقرار الخدمة الأسقفيّة وترسيخها والإقرار بها بشكلٍ عامّ.
ويمكن استشفاف مراحل هذا التطوّر من الكتابات الأخيرة للتقليد البولسيّ، وكذلك من
نصوصٍ أخرى مرتبطة بسلطان الرسل.
عُدَّتْ أهمّيّةُ الرسل في زمن تأسيس الجماعات
المسيحيّة الأولى أمرًا ضروريًّا لتثبيت الكنيسة والجماعات المحلّيّة، وفقًا للفكر
السائد في العصر شبه الرسوليّ الذي تلا العصر الرسوليّ. وقد أدّى مبدأ رسوليّة
الكنيسة، كما يتّضح في هذا التأمّل، إلى إدراك أنّ خدمة التعليم والتدبير تستمدّ
أساسها من المسيح، من خلال الرسل. وقد عاشت الكنيسة في يقينٍ راسخ بأنّ يسوع، قبل
مغادرته هذا العالم، أرسل الاثني عشر في إرساليّةٍ عالميّة، ووعدهم بأن يكون معهم
كلّ الأيّام وإلى منتهى الدهر[26].
زمن الكنيسة هو زمن الإرساليّة العالميّة، ومن ثمّ فهو
قائم في حضور المسيح نفسه، تمامًا كما كان الحال في العصر الرسوليّ، ويأخذ شكل
خدمةٍ رسوليّة واحدة.
وعلى نحوٍ ما، يمكن إدراك ذلك من كتابات العهد الجديد،
حيث لا يمكن دائمًا تجنّب النزاعات بين الأفراد والمجتمعات وسلطة الخدمة. فمن
ناحيةٍ، اجتهد بولس لفهم الإنجيل داخل المجتمع ومعه، حتّى يضع معهم معايير الحياة
المسيحيّة، لكنّه، من ناحيةٍ أخرى، لجأ إلى سلطته الرسوليّة عندما تعلّق الأمر بحقّ
الإنجيل[27]،
أو مبادئ الحياة المسيحيّة الراسخة.[28]
وبالمثل، فإنّ خدمة التدبير لا ينبغي أن تنفصل عن
الجماعة أو أن تضع نفسها فوقها، لأنّ دورها هو أن تكون في خدمة الجماعة ولأجلها.
لكن عندما قبلتْ جماعات العهد الجديد السلطان الرسوليّ، سواء من الرسل أنفسهم أو من
خلفائهم، فقد أطاعتْ، ونسبتْ طاعتها تلك إلى سلطان خدمة المسيح نفسه.
إنّ غياب الوثائق يجعل من الصعب تحديد كيفيّة حدوث هذه
التحوّلات بدقّة. ومع نهاية القرن الأوّل، كان الرسل، أو أقرب معاونيهم، أو
خلفاؤهم، يديرون الهيئات المحلّيّة الخاصّة بإبيسكوبوي (الأساقفة) و بريسبوتيروي
(الشيوخ). ومع بداية القرن الثاني، بدأتْ تظهر شخصيّة الأسقف الواحد بوضوحٍ تامّ
بصفته رئيس الجماعات، وذلك في رسائل القدّيس إغناطيوس الأنطاكيّ، القائل أيضًا: إنّ
هذا التأسيسَ قد ترسّخ «حتّى أقاصي الأرض»[29].
خلال القرن الثاني، وبعد رسالة كليمندس أُقِرَّ صراحةً
بأنّ هذا النظام يحمل الخلافة الرسوليّة. أمّا الرسامة بوضع الأيدي، المشهود لها في
الرسائل الرعويّة "الفصحيّة"، فتظهر في عملية التوضيح أنّها خطوةٌ مهمّة في حفظ
التقليد
الرسوليّ، وضمان الخلافة في الخدمة. وتبيّن وثائق القرن الثالث (قوانين هيپوليتُس)،
أنّه وصلت الكنيسة إلى هذا الاقتناع بشكلٍ سلميّ وأنّه عُدَّ بنيةً كنسيّةً
ضروريّة.
طوّر كليمندس وإيريناوس تعليمًا عن السلطة الرعويّة
و"الكلمة"، استمدّا فيه فكرة الخلافة الرسوليّة من وحدة الكلمة، ووحدة الإرساليّة،
ووحدة خدمة الكنيسة "الكرازة"، وهكذا أصبحت الخلافة الرسوليّة الأساسَ الدائم الذي
فهمتْ منه الكنيسة الكاثوليكيّة طبيعتها انطلاقًا منه.
رابعًا ملمحُ الخلافة الرسوليّة الروحيُّ
إذا أردنا، بعد هذا العرض التاريخيّ، فهم الأبعاد
الروحيّة للخلافة الرسوليّة، فعلينا التأكيد قبل أيّ شيء على أنّ الخدمة الممنوحة
بالرسامة، وإن كانت تمثّل الإنجيل بسلطان، وتوجّه بالضرورة إلى الكنيسة كلّها،
فإنّها تفرض على الخادم أن يجعل المسيح حاضرًا في تواضعه[30]، والمسيحَ المصلوب حاضرًا[31].
ومع ذلك، فإنّ الكنيسة التي تؤدّي هذه الخدمة، يعلِّمها
الروحُ القدس ويحرّكها؛ والمقصود بالكنيسة هنا الكنيسة جمعاء في أعضائها، لأنّ كلّ
شخصٍ "معمّد متعلِّم" من الروح القدس[32].
لذلك، فإنّ دور الخدمة الكهنوتيّة هو أن تذكِّر بسلطانٍ
بما هو متجذّرٌ أصلًا في الإيمان المرتبط بالمعموديّة، وإن كان لا يمكن أن يبلغ
كماله هنا على الأرض. وبالمثل، ينبغي على المؤمن أن يغذّي إيمانه وحياته المسيحيّة
من خلال وساطة الأسرار المقدّسة، التي تمنح الحياة الإلهيّة.
إنّ معيار الإيمان، المعروف رسميًّا بمصطلح "قاعدة
الإيمان"[33] فيصير
حاضرًا في الحياة المسيحيّة بفضل الروح القدس، مع أنّه يظلّ متجاوزًا للإنسان،
لأنّه ليس موضوعًا فرديًّا على الإطلاق، بل هو بطبيعته كنسيّ وجامع.
وهكذا، فإنّ حضور الروح الإلهيّ في كلّ فرد داخل قاعدة
الإيمان هو حضورٌ مباشر، لكنّه يرتبط بالضرورة بالطابع الجماعيّ لهذا الإيمان. ولم
تزل عبارة بولس فاعلةً: «لا يستطيع أحدٌ أن يقول: يسوع ربٌّ إلّا بإلهام الروح
القدس»[34]،
ومن دون التجديد الذي يمنحه الروح للقلوب، لا يستطيع أحد أن يدرك أنّ يسوع هو ابن
الله؛ والذين يعرفونه ابنًا يعرفون أيضًا الآب الذي يعلنه يسوع[35].
ولأنّ الروح هو الذي يقودنا إلى معرفة الآب من خلال
يسوع، فإنّ الإيمان المسيحيّ إيمانٌ ثالوثيّ: أي إنّ بُعده الروحيّ يتضمّن بالضرورة
ذلك المضمون الذي يتحقّق أسراريًّا في المعموديّة باسم الآب والابن والروح القدس.
إنّ قاعدة الإيمان، أي التعليم المرتبط بالمعموديّة،
حيث يتطوّر مضمون الإيمان الثالوثيّ، تمثّل في شكلها ومحتواها الأساس الدائم
لرسوليّة الكنيسة وجامعيّتها. وهي تحقّق الرسوليّة، لأنّها تُلزم الذين
يكرزون بالإيمان باتّباع المعيار المسيّانيّ-الروحيّ، فلا يتكلّمون باسمهم، بل
يشهدون بما سمعوه[36].
يُظهر يسوعُ أنّه الابن بإعلانه أنّه يأتي من
الآب. ويُظهِر الروحُ القدسُ أنّه "روحُ الآب والابن"، لأنّه لا يتكلّم من ذاته،
بل يعلن ويذكّر بما يأتي من الابن[37].
وهذا الامتداد لعمل المسيح وروحه هو ما يمنح الخلافة الرسوليّة طابعها
المميّز، ويُميّز تعليم الكنيسة عن سلطة العلماء من جهة، وعن سلطة القوّة المتسلّطة
من جهة أخرى.
فإذا وُضعتْ سلطة التعليم في أيدي أساتذة، سيعتمد
الإيمان في هذه الحال على فهم الأفراد، ومعرَّضًا لتأثير "روح العصر"[38]. وإذا خضع
الإيمان لسلطة أشخاص أو جماعات يقرّرون هم معيار الحقيقة، فإنّ الحقّ يُستبدَل
بالقوّة الاعتباطيّة. أمّا التعليم الكنسيّ الحقيقيّ، فهو مرتبط بكلمة الربّ، ومن
ثمّ يُدخِل الذين يسمعونه في مجال الحرّيّة.
لا شيء في الكنيسة يستطيع الاستغناء عن الرجوع إلى
الرسل، ولا يمكن للرعاة والمؤمنين تجنّب ذلك، إذ تُقاس به الأقوال الإيمانيّة
والمفاهيم الأخلاقيّة. وترتبط الخدمة المرتبطة بالرسامة بهذه الوساطة الرسوليّة
ارتباطًا مزدوجًا: فمن جهة، تخضع لمعيار الأصول المسيحيّة، ومن جهة أخرى، تتعلّم من
جماعة المؤمنين، الذين يقع عليهم أيضًا واجب الشهادة للإيمان.
ممّا قيل نستخلصُ نتيجتين هما:
١. ليس لأيّ كارزٍ بالإنجيل الحقُّ في الكرازة وفق
نظريّاتٍ شخصيّة، بل يكرز بإيمان الكنيسة الرسوليّ، لا بفكره الشخصيّ أو من خبرته
الدينيّة الخاصّة. وهذا يقتضي إضافة عنصرٍ ثالث إلى ما ذُكر في قاعدة الإيمان، إلى
جانب الشكل والمضمون، وهو: وجود شاهدٍ مُرسَل، لا يتكلّم من ذاته، ولا تمنحه أيّ
جماعةٍ سلطته، بل يتلقّاها أسراريًّا من خلال الذين سبق أن نالوا هذه الرسالة. صحيح
أنّ الروح يثير في الكنيسة مواهب متنوّعة للكرازة والخدمة، ويُلهم جميع المسيحيّين
للشهادة لإيمانهم، لكن يجب ممارسة هذه المواهب في إطار العناصر الثلاثة لقاعدة
الإيمان[39].
٢. هذه الرسالة، ذات الأساس الثالوثيّ، تنتمي إلى قاعدة
الإيمان، وتفترض الرجوع إلى جامعيّة الإيمان، التي هي ثمرة الرسوليّة وشرط دوامها .
فلا فرد ولا جماعة تملك في ذاتها سلطة الإرسال، بل يحدث ذلك في إطار العَلاقة مع
الكلّ «كاثولون»[40]؛ أي الجامعيّة في الزمان والمكان،
حيث يُضمن استمرار الرسالة. وبهذا المعنى، تُظهِر الجامعيّة كيف يدخل المؤمن، بصفته
عضوًا في الكنيسة، في شركة الحياة الثالوثيّة، لا من خلال وساطة المسيح المتأنّس
وحده، بل أيضًا من خلال الكنيسة المرتبطة به ارتباطًا وثيقًا.
ولأنّ الحقيقة والحياة في الكنيسة لهما بُعد جامع، فإنّ
وساطتها تتحقّق بطريقةٍ منظَّمة، من خلال خدمةٍ تُعطى لها بوصفها عنصرًا تكوينيًّا
فيها. وهذه الخدمة لا تقتصر على الرجوع إلى حقبةٍ تاريخيّةٍ ماضية، بل يجب أن تكون
قادرةً على تمثيل أصلها، أي المسيح الحيّ، من خلال إعلان الإنجيل إعلانًا رسميًّا،
ومن خلال الاحتفال بالأسرار بسلطان، وفي مقدّمتها الإفخارستيّا.
خامسًا: الخلافة الرسوليّة وتسليمها
كما أنّ الكلمة الإلهيّ الذي صار جسدًا هو في ذاته
كرازةٌ ومبدأ نقل الحياة الإلهيّة إلينا، فإنّ خدمة الكلمة في ملئها، والأسرارَ
المقدّسة الخاصّةَ بالإيمان، ولا سيّما سرّ الإفخارستيّا، هي الوسيلة التي من
خلالها يظلّ المسيح للبشريّة حدثَ الخلاص الحاضر دائمًا. والسلطة الرعويّة ليست سوى
مسؤوليّة الخدمة الرسوليّة من أجل وحدة الكنيسة ونموّها، في حين أنّ الكلمة هي مصدر
الخلاص، والأسرار هي إعلانُ تحقيقه وموضعُ تحقّقه.
هكذا، فإنّ الخلافةَ الرسوليّة هي تلك السمةُ المتعلّقة
بطبيعة الكنيسةِ وحياتها، التي تبيّن اعتمادَ مجتمعنا في الوقت الحاضرِ على المسيح،
من خلال أولئك الذين أرسلهم. وعلى ذلك، فإنّ الخدمةَ الرسوليّة سرُّ الحضورِ
الفعَّال للمسيحِ وروحه وسط شعب الله، ولا يقلّل هذا بأيّ حالٍ من التأثير المباشر
للمسيح وروحه القدّوس على كلّ مؤمنٍ.
إنّ الموهبةَ (الكاريزما) الخاصّة بالخلافة الرسوليّة
تُقبَل في الجماعة المرئيّة للكنيسة، وهي تفترض أنّ مَن يدخل في الخدمة يؤمن بإيمان
الكنيسة. وتُمنَح هذه الخدمة في فعلٍ هو علامةٌ مرئيّة وفعّالة لعطيّة الروح القدس،
ويحدث هذا الفعل بواسطة واحدٍ أو أكثر من الخدّام الذين هم أنفسهم دخلوا في الخلافة
الرسوليّة.
وهكذا تُنقَل الخدمة الرسوليّة من خلال الرسامة، التي
تتضمّن طقسًا ذا علامة مرئيّة، مع استدعاء الله (إبيكليسيس[41])،
لمنح الروح القدس لمن يُسام، ولإعطائه القُدرة اللازمة لإنجاز رسالته. وهذه العلامة
المرئيّة، منذ العهد الجديد، هي وضع الأيدي.[42]. ويعبّر طقس الرسامة عن حقيقة أنّ
ما يحدثُ للشخصِ الذي سيمَ لا يأتي من أصلٍ بشريّ، وليس بمقدور الكنيسةِ أن تعملَ
ما يحلو لها بموهبةِ الروحِ القدس.
إنّ الكنيسة تدرك تمامًا أنّ طبيعتها مرتبطة
بالرسوليّة، وأنّ الخدمة المنقولة بالرسامة تثبِّت المرتسِم في الاعتراف الرسوليّ
بحقيقة الآب. ولذلك، حكمت الكنيسة بأنّ الرسامة، كما تُعطى وتُقبَل في فهمها
الخاصّ، هي ضروريّةٌ للخلافة الرسوليّة بالمعنى الدقيق.
فالخلافة الرسوليّة تتعلّق بالكنيسة كلّها، ولكنّها لا
تنبع من الكنيسة ككلّ، بل من المسيح إلى الرسل، ومن الرسل إلى جميع الأساقفة حتّى
نهاية الأزمنة.
سادسًا: نحو تقييمٍ للخِدمات الكنسيّة غير
الكاثوليكيّة
إنّ ما سبق وذكرناه عن مفهوم الخلافة الرسوليّة
الكاثوليكيّ يجعلنا الآن قادرين على تقديم فكرةٍ عامّة تتضمّن تقييمًا للخِدماتِ
الكنسيّة غير الكاثوليكيّة. في هذا السياق، يوجد أمر لا يمكن الاستغناء عنه وهو أن
نضع نصب أعيننا الاختلافات القائمة في الأصول، وفي التطوّر اللاحق لهذه الكنائس
والمجتمعات، وكذلك فهمها لنفسها أيضًا.
١. وإن كان يوجد اختلاف في تقدير كلٍّ من الكنيسة
الكاثوليكيّة والكنيسة الأرثوذكسيّة وبعض الكنائس الأخرى لمهمّة بطرس، فإنّها
جميعًا تتّفق في الحفاظ على حقيقة الخلافة الرسوليّة. وقد اتّحدتْ هذه الكنائس في
مشاركتها لمفهومٍ جوهريّ، وهو أسراريّة الكنيسة وهو فهمٌ تطوّر انطلاقًا من العهد
الجديد، مرورًا بآباء الكنيسة، وخاصّة إيريناوس. تؤمن هذه الكنائس أنّ الدخول
الأسراريّ إلى الخدمة الكنسيّة يحدث بوضع الأيدي واستدعاء الروح القدس، وهذه هي
الصيغة التي لا يمكن الاستغناء عنها لنقل الخلافة الرسوليّة، التي وحدها تمنح
الكنيسة القدرة على البقاء ثابتة في عقيدتها وشركتها. هذا الترابط غير المنقطع بين
الكتاب المقدّس والتقليد والسرّ يفسّر سبب استمرار الشركة بين هذه الكنائس والكنيسة
الكاثوليكيّة، حيث لم تنقطع قطّ انقطاعًا تامًّا، ويمكن اليوم إحياؤها فمن جديد.
٢. جرتْ حواراتٌ مثمرة مع الكنائس الأنجليكانيّة التي
حافظت على وضع الأيدي، مع اختلاف تفسيره. ولا يمكن هنا استباق النتائج النهائيّة
لهذا الحوار، الذي يهدف إلى البحث في مدى تضمّن الحفاظ على وضع الأيدي والصلوات
المرافقة له للعناصر المُقوِّمة للوحدة والاستمرار.
٣. أمّا الجماعات التي نشأت عن حركة الإصلاح في القرن
السادس عشر، فهي تختلف فيما بينها إلى حدّ أنّ وصف علاقتها بالكنيسة الكاثوليكيّة
يجب أن يراعي الحالات الفرديّة الكثيرة. ومع ذلك، بدأت تتّضح بعض السمات العامّة.
وعلى وجه العموم، كان من خصائص الإصلاح إنكار الصلة بين الكتاب المقدّس والتقليد،
والدفاع عن الرأي القائل إنّ الكتاب المقدّس وحده هو المعيار[43]. ومع أنّه قد أُقرّ لاحقًا بمكانةٍ ما للتقليد، فإنّه لم
يُمنح قطّ المكانة والكرامة نفسيهما اللتين كان يُتمتّع بهما في الكنيسة القديمة.
غير أنّه، بما أنّ سرّ الكهنوت هو التعبير الأسراريّ الذي لا غنى عنه عن الشركة في
التقليد، فإنّ الكرازة بمبدأ الكتاب المقدّس وحده أدّت بالضرورة إلى طمس الفهم
القديم للكنيسة وكهنوتها.
وعلى مرّ القرون، أُهمل عمليًّا في كثيرٍ من الأحيان
وضعُ الأيدي، سواء على يد رجالٍ سبق أن نالوا السيامة أو على يد غيرهم. وحيثما كان
يحدث، لم يكن يحمل المعنى نفسه الذي له في الكنيسة القائمة في التقليد. وهذا
الاختلاف في طريقة الدخول إلى الخدمة وتفسيرها ليس إلّا أبرز علامة على اختلاف
الفهم للكنيسة والتقليد. وقد وُجد بالفعل عددٌ من اللقاءات الواعدة التي سعتْ إلى
إعادة وصل الصلة بالتقليد، مع أنّ هذا الانقسام لم يُتجاوز بعدُ بنجاح.
في مثل هذه الظروف، تظلّ الشركة الكنسيّة غير ممكنة في
الوقت الحاضر، لأنّ الاستمراريّة الأسراريّة في الخلافة الرسوليّة منذ البدء تُعدّ
عنصرًا لا غنى عنه للشركة الكنسيّة، سواء في الكنيسة الكاثوليكيّة أو في الكنائس
الأرثوذكسيّة.
غير أنّ قول ذلك لا يعني أنّ السمات الكنسيّة والروحيّة
للخدّام البروتستانت وجماعاتهم يمكن إهمالها. فقد بنى خدّامهم جماعاتهم وغذّوها.
ومن خلال المعموديّة، ودراسة الكلمة والكرازة بها، وصلاتهم المشتركة واحتفالهم
بالعشاء الأخير، وبغيرتهم، قادوا الناس إلى الإيمان بالربّ، وساعدوهم بذلك على أن
يجدوا طريق الخلاص. ومن ثمّ، توجد في هذه الجماعات عناصر تنتمي حقًّا إلى رسوليّة
الكنيسة الواحدة للمسيح.
[1] Catholic
Teaching on Apostolic Succesion (1973).
[2]وافقت
اللجنة على هذه الوثيقة "بصيغةٍ محدَّدة" (وأُعيد طبعها من TheTablet في
27 يوليو؛ 3 و10 أغسطس عام 1974م).
[3] رسل
٢: ٤٢؛ ٢بط 1: 20.
[9] 1بط
2: 5-9؛ خر 19: 6؛ أش 6: 6.
[10]أوغسطينُس،
مدينة الله ١٠: ٦.
[11]روم
12: 1؛ 1بط 2: 25.
[14] رؤ
1: 6؛ 5: 10؛ 20: 6.
[18] مر
1: 17، 3: 14؛ لو 22: 28؛ يو 15: 6.
[22] يو
20: 22؛ لو 24: 44-49.
[31] غل
2: 19 وما بعدها؛ 6: 14؛ 1قو 4: 9.
[32] 1تس
4: 9؛ عب 8: 11؛ ار 31: 33؛ 1يو 2: 20؛ يو 6: 45.
[33] Regula
fidei. انظر نور الأمم ١٧.
[35] يو
14: 7؛ 8: 9؛ وما بعدها.
[36] يو
7: 18؛ 16: 13 وما يليها.
[39] دستور
عقيديّ في الكنيسة 12.
|