The Holy See
back up
Search
riga

المجلس الحبري للعلمانيين

وثائق

 كرامة المسنّين ورسالتهم

في الكنيسة وفي العالم

Dignité et mission
des personnes âgées
dans l’Église et dans le monde

مقدمة

مكاسب العلم وما أعقبها من تقدّم في الطب ساهمت بطريقة حاسمة، في هذه الحقب الأخيرة، في تطويل معدّل مدَّة الحياة. عبارة «العمر الثالث» تشمل من الآن فصاعداً شريحة كبيرة من سكان العالم، أشخاصاً خرجوا من مداور الإنتاج ولا يزالون يملكون طاقات كبيرة وقدرات كبيرة على المساهمة في المنفعة العامة. إلى هذا الجمهور من «المسنّين الشباب» (على حدّ ما يصف به الديموغرافيون هذه الفئات الجديدة من المسنّين الذين تتراوح أعمارهم بين الخامسة والستين والخامسة والسبعين) تنضاف فئة المسنّين الطاعنين (الذين تجاوزوا الخامسة والسبعين) وهم ما يسمونه «بالعمر الرابع»، والمؤهَّلون لأن تزداد صفوفهم أكثر فأكثر[1].

امتداد معدّل مدَّة الحياة، من جهة، وهبوط عدد الولادات بطريقة مأساوية أحياناً[2]، من جهة أخرى، قد أحدثا انتقالاً ديمغرافياً لا مثيل له، يقلب حرفيّاً هرم الأعمار كما كان ملحوظاً منذ أكثر من خمسين سنة: عدد المسنّين في ازدياد مستمرّ، بينما عدد الشباب في هبوط ذريع. هذه الظاهرة التي ابتدأت في الستينات، في بلاد نصف الكرة الشمالي، تمسّ اليوم أيضاً بلاد نصف الكرة الجنوبي حيث نلحظ تدهوراً أسرع في الشيخوخة.

هذا الضرب «من الثورة الصامتة» الذي يتخطىّ كثيراً المعطيات الديمغرافية يطرح أسئلة على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والنفساني والروحاني أمست أهميتها، منذ بعض الوقت، موضوع انتباه متواصل من قبل الجماعة الدوليّة. فمنذ سنة 1982، أثناء الجمعيّة العالميّة الباحثة في معضلات الترهل السكاني التي دعت إليها الأمم المتحدة في فينّا (النمسا)، من 26 تموز إلى 6 آب، وُضِعَتْ خطة عمل دوليّة، لا تزال حتى اليوم مرجعاً على الصعيد العالمي. وقد أُجريت بحوث أخرى أفضت إلى تحديد ثمانية عشر مبدأ من قبل الأمم المتحدة لأجل المسنّين، (جمعت في خمسة فصول: استقلاليّة، مشاركة، رعاية، تحقيق ذات، كرامة)[3]، وإلى القرار القاضي بتخصيص يومٍ عالمي للمسنّين، أثبت تاريخه في 1 تشرين الأول من كل سنة.

قرار الأمم المتحدة بإعلان سنة 1999 سنة دوليّة للمسنّين، واختيار الموضوع تحت الشعار الآتي: «نحو مجتمعٍ لكل الأعمار» يؤكدان هذا الاهتمام. «مجتمع لكل الأعمار»: هذا ما أعلنه الأمين العام، كوفي أنان، في بلاغه بمناسبة اليوم العالمي للمسنّين لسنة 1998؛ «هذا المجتمع، عليه ألاّ ينحدر بالمسنّين إلى مستوى المرضى والمتقاعدين، بل عليه أن يعتبرهم من عوامل التطوّر والمستفيدين منه». هذا المجتمع عليه إذن أن يراعي كل الأجيال ويسعى إلى تكوين ظروف حياة تساعد في تحقيق الطاقات الكبرى الكامنة في العمر الثالث.

إن الكرسي المقدَّس - الذي يقدّر نيّة العمل على إرساء نظام اجتماعي يستوحي مبدأ التضامن، ويساهم فيه كل جيل بالتعاون مع الأجيال الأخرى–يرغب في المساهمة في السنة الدولية للمسنّين، وذلك بإسماع صوت الكنيسة، سواء على صعيد الفكر أم على صعيد العمل.

إن الكرسي المقدّس، بدعوته إلى احترام كرامة المسنّين وحقوقهم الأساسيّة، ويقيناً منه أن المسنّين يجب أن يؤدوا وبإمكانهم أن يؤدوا الكثير لحياة المجتمع، يتمنى أن تُواجَه هذه المسألة، من قِبل الجميع، بحسٍّ رهيف بالمسؤولية: من قبل الأفراد، والعائلات والجمعيات والحكام والأنظمة الدوليّة، وفقاً لصلاحيات وواجبات كلٍّ منهم، وبقوّة مبدإ التكافل. بهذه الطريقة فقط يمكن الوصول إلى أن نضمن للمسنّين ظروف حيـاة أقرب إلى الهدف الإنساني، ونضفي قيمةً على ما يقومون به من دورٍ لا بديل منه في مجتمع خاضع لتحوّلات اقتصاديّة وثقافيّة مستمرّة وسريعة. عندئذٍ يصبح بالإمكان أيضاً أن نتبنَّى بإدارات نظيمة تهدف إلى التأثير في الوجوه الاجتماعية–الاقتصادية - التربوية المطلوبة لنجـعل في متناول جميع المواطنين، بلا تفرقة، الثروات الضرورية لتلبية الحاجات القديمة والحديثة لدى الذين أُبعدوا عن مداور الحياة في المجتمع، لنضمن لهم حماية حقوقهم بطريقة فاعلة، ونعيد إليهم حوافز الإيمان والرجاء والمشاركة الناشطة في حياة المجتمع والانتماء إليه.

اهتمام الكنيسة وتجنُّدُها في خدمة المسنّين ليسا من اليوم. فالمسنّون كانوا دوماً من أهداف رسالتها واهتمامها الراعوي عبر القرون وفي مختلف الظروف. «المحبة» المسيحيّة قد تعهّدت حاجاتهم، وبعثت المؤسسات المتنوّعة في خدمة المسنّين، ذلـك بفضل ما قامت به خصوصاً الجمعيات الرهبانيّة والمنظمات العلمانيّة من مبادرات ورعاية. وأمّا السلطة التعليميّة في الكنيسة فلم تكتف باعتبار المسألة مجرّد قضيّة غوث وإحسان بل ذكّرت دائماً بما يترتب علينا من واجب أساسي في تقدير الناس من كل الأعمار حق قدرهم، بحيث لا تذهب سدىً الثروة البشرية والروحيّة ومذّخرات الخبرة والنصيحة المتراكمة عبر سنواتٍ كاملة. وقد أعلن البابا يوحنا بولس الثاني، تثبيتاً لذلك، عندما توجه إلى ما يقارب الثمانية آلاف من المسنّين في مقابلة في 23 آذار 1984، بقوله: «لا تفاجئنّكم تجربة العزلة الداخليّة. فبالرغم من معضلاتكم المعقّدة […] وقواكم المتدهورة شيئاً فشيئاً، وبالرغم من ثغرات الأنظمة الاجتماعيّة وتباطؤات التشريع الرسمي وانغلاقات مجتمع أناني، لستم ويجب ألاّ تشعروا أنفسكم في هامش حياة الكنيسة، وكأنكم عناصر سلبية في عالم مغرق في الحركة، بل أنتم عناصر فاعلة في مرحلة من مراحل الوجود البشري خصيبة إنسانياً وروحيّاً. ما زلتم مؤتمنين على رسالة تقومون بها وعلى مساهمة تؤدونها[4].

الوضع الراهن–وهو وضع جديد من عدة وجوه–يناشد مع ذلك الكنيسة اعادة النظر في رعاية شؤون العمر الثالث والعمر الرابع. البحث عن أشكال وأساليب جديدة تتلاءم أكثر مع حاجاتهم وترقباتهم الروحيّة ووضع خطط رعائية متجذّرة في تربة الدفاع عن الحياة ومعناها ومآلها يبدوان شرطاً لا محيد عنه لحفز المسنّين على أداء مساهمتهم في رسالة الكنيسة ومساعدتهم في إحراز فائدة روحيّة خاصة من مساهمتهم الناشطة في حياة الجماعة الكنسية.

تلك هي، في خطوطها العريضة، القرائن التي تندرج فيها هذه الوثيقة التي وضعها المجلس الحبري للعلمانيين. وقد ساهم في تحريرها فريق عمل مؤلف من ممثلين عن مختلف دوائر الكوريا الرومانية وأمانة سرّ الدولة، ومن مسؤولين عن هيئات كنسيّة (حركات وجمعيات ومؤسسات رهبانية) لها خبرة طويلة في عالم العمر الثالث. ويأمل المجلس الحبري للعلمانيين الذي عُيّن ليكون بوتقة أنشطة الكرسي المقدَّس للسنة العالمية للمسنين، إذ يضع هذه الوثيقة في تصرف المجالس الأسقفية والأساقفة والكهنة والراهبات والرهبان والحركات والجمعيات والشباب والبالغين والمسنين أنفسهم، أن يحث الجميع على إعمال الفكر وبذل الجهود.

 


الفصل الأول

الشيخوخة معنىً وقيمة

ترقبات شيخوخة نقضيها في ظروف صحيّة أفضل منها في الأمس، وتوقع الانتفاع بفوائد مرتبطة بمستوىً ثقافيّ أرقى، وكون الشيخوخة لم تعد دائماً مرادفة لمعنى التبعية، ولم تعد من ثم تؤثر دائماً سلباً في نوعيّة الحياة، كل هذا لا يبدو كافياً لتقبّل هذه المرحلة من الوجود التي يعتبرها الكثيرون من معاصرينا مجرّد حتميّة صعبة لا مفرّ منها.

والواقع أن الصورة الأكثر شيوعاً في أيامنا هي صورة للعمر الثالث أشبه بطور انحطاط حيث القصور البشري والاجتماعي يُعتبر أمراً لا نزاع فيه. إلاّ أننا بإزاء صورة متحجّرة لا تتناسب مع واقع الأشياء. والواقع أن الحقيقة أكثر تنوعاً. فالمسنّون لا يكوّنون فئة بشرية متجانسة، والشيخوخة يعيشها أصحابها في أشكال متباينة جداً. هناك فئة من المسنّين بقدرتهم أن يدركوا معنى الشيخوخة في الوجود البشري، ويقضون هذه الفتـرة من حياتهم ليس فقط بطمأنينة وكرامة بل بمثابة فصل من الحياة يتيح لهم فرصاً جديدة من النموّ والالتزام. ثم إن هناك فئة أخرى–وهي الأكثر عدداً في أيامنا–باتت الشيخوخة في نظرهم صدمة مؤلمة. هؤلاء المسنّون قد اتخذوا، حيال شيخوختهم، من المواقف ما يترواح بين الخضوع السلبي والثورة والرفض اليائس. هؤلاء الأشخاص، بانطوائهم على ذواتهم، ووضع ذواتهم في هامش الحياة، باتوا في الطريق إلى الانهيار الجسدي والعقلي.

بالإمكان إذن أن نؤكّد أن أحوال العمرين الثالث والرابع تختلف باختلاف عدد المسنّين وأن كلَّ فردٍ منهم يهيء طريقته الشخصية في قضاء شيخوخته، مدَّة حياته كلها. بهذا المعنى تنمو الشيخوخة معنا، ونوعيّة شيخوختنا منوطة خصوصاً بقدرتنا على إدراك معناها وقيمتها، سواء على الصعيد البشري الصِرف أم على صعيد الإيمان. يجب إذن أن نضع الشيخوخة في إطار مشيئة الله المحدّدة، وهي مشيئة حبّ، ونعيشها كمرحلة في الطريق التي يقودنا فيها المسيح إلى بيت الآب (را يو 24، 2). والواقع أننا لن نتمكّن من أن نعيش شيخوختنا بمثابة هديّة وواجب وبطريقة مسيحيّة حقيقيّة إلاّ في نور الإيمان وبقوة الرجاء الذي لا يُخزي أبداً صاحبه (را روم 5، 5). وهذا هو سرّ شباب الروح الذي نستطيع أن نغذيه بالرغم من مرّ السنين. هناك امرأة، اسمها لندا، عاشت 106 سنوات، وتركت لنا شهادة مذهلة في هذا المجال. بمناسبة ذكرى ميلادها المئة والواحدة، أسرّت إلى أحدى صديقاتها: «عمري 101! ولكنني نشيطة كما ترين. جسدياً أعاني من بعض المشاكل، ولكن روحيّاً أقوم بكل شيء. أمّا المشاكل الجسديّة فلا أتكدّر لها، ولا أصغي إليها. لا أعاني من شيخوختي لأني لا أصغي إليها. فهي تسير قدماً وحدها وأمّا أنا فلا أوليها أيَّ أهمية. الطريقة الوحيدة لنعيش الشيخوخة هي أن نعيشها مع الله».

العمل على تصحيح الصورة السلبيّة التي نرسمها عن الشيخوخة هو إذن التزام ثقافي وتربوي يجب أن تتجند له كل الأجيال. مسؤوليتنا تجاه المسنّين هي في مساعدتهم على أن يفهموا معنى عمرهم ويقدّروا ما ينطوي عليه من طاقات، ويصدُّوا عنهم تجربة الرفض والاعتزال والاستسلام والشعور بالعقم واليأس. ونحن نحمل مسؤولية تجاه الأجيال الصاعدة: وهي أن نعِدَّ لهم محيطاً إنسانياً واجتماعياً وروحياً يستطيع كل فردٍ أن يعيش فيه هذه المرحلة من الحياة عيشاً كاملاً وكريماً.

لقد أكّد بولس السادس، في بلاغه إلى الجمعيّة العالمية المهتمة بمعضلات الشيخوخة الأنامية: «الحياة هدية من الله إلى الناس الذين خلقهم، حباً بهم، على صورته ومثاله. هذا الوعي لكرامة الإنسان المقدّسة تقودنا إلى أن نُفرِغ على كلٍّ من مراحل الحياة قيمتها. إنها قضية منطق وعدالة. والواقع أننا لا نستطيع أن نولي حياة المسنّين قيمة حقيقية إذا لم نولِ حياة طفل منذ أول لحظة الحبل به قيمة حقيقية، ولا يعلم أحد إلى أين نستطيع الوصول إذا لم تُحترَم الحياة احترام كنـزٍ مقدّس لا يمكن التفريط به»[5].

بناء مجتمع يراعي حرمة كل الأجيال لا يقوى على الصمود إذا لم يرتكز على احترام الحياة في كل مراحلها. تكاثر عدد المسنّين في العالم المعاصر هو نعمة وثـروة بشرية وروحية جديدة. وهو آية من آيات هذا الزمان إذا استوعبناها تماماً وقبلناها فهي تساعد الإنسان المعاصر في العودة إلى اكتشاف معنى الحياة الذي يتخطى كثيراً المعاني العارضة التي تُلصقها به السوق أو الدولة أو الذهنية السائدة.

الخبرة التي يؤديها المسنّون لمسيرة الأنسنة في مجتمعنا وثقافتنا هي من الغنى بحيث يجب علينا أن نطلبها وننوّه بما يمكن أن نصفه بمواهبية الشيخوخة:

- المجانيّة:الثقافة السائدة عندنا تقيس قيمة أعمالنا بمقاييس الفعاليّة التي تتجاهل صفة المجانية. المسنّ الذي يعيش زمن الطواعية باستطاعته أن يلفت انتباه مجتمع منهمك إلى ضرورة الإجهاز على حواجز اللامبالاة التي تحطّ من قيمة المشاعر الغيريّة وتحبطها وتردعها.

- الذاكرة:الأجيال الناشئة بدأت تفقد معنى التاريخ، ومعه معنى الهوية. كل مجتمع يقلّل من معنى التاريخ يحيد عن تنشئة الشبيبة. كل مجتمع يجهل الماضي يتعرّض بسهولة لأن يكّرر ما فرط منه من أخطاء. فقدان معنى التاريخ يمكن أن نعزوه أيضاً إلى نهج في الحياة يستبعد ويعزل المسنّين، ويصعّب هكذا الحوار بين الأجيال.

- الخبرة:نعيش اليوم في عالمٍ حلّت فيه أجوبة العلم والتقنيّة محلّ الفائـدة الناتجة عن خبرة حياة كدّسها المسنّون على مدى حياتهم كلها. هذا الحاجز الثقافي يجب ألاّ يثبّط عزيمة المسنّين من العمر الثالث والرابع لأن في جعبتهم أشياء كثيرة يقولونها للأجيال الصاعدة وأشياء كثيرة يشاركونها فيها.

- التبعية المتبادلة:لا يقوى أحد على أن يعيش وحده. ولكن الفردانية والرغبة المتمادية عند البعض في أن يحتلوا المراكز الأولى يطمسان هذه الحقيقة. المسنّون الذين يرغبون في معيّة الآخرين يحتجوُّن على مجتمع حيث الأضعفون متروكون، في معظم الأحيان، لذواتهم. إنهم يذكّرون بفطرة الإنسان الاجتماعية وبضرورة العمل على رتق نسيج العلاقات بين الأفراد والعلاقات الاجتماعية.

- نظرة أكمل إلى الحياة:حياتنا تسودها العَجَلة والاضطراب والعُصاب أحياناً كثيرة. حياتنا مبعثرة تفوتها الأسئلة الأساسية المتعلقة بدعوة الإنسان وكرامته ومصيره. العمر الثالث هو أيضاً عمر البساطة والتأمل. القيم العاطفية والاخلاقية والدينية التي يعيشها المسنّون تكوّن طاقة لا بدّ منها لتوازن المجتمع والعيِل والأفراد. هذه القيم تنطلق من معنى المسؤولية والصداقة والزهد بالسلطة، وصولاً إلى الفطنة والصبر والحكمة ومروراً بالصفاء الباطن واحترام الخلائق وبناء السلام. المسنّون يدركون تماماً أفضليَّة «الذات» على «العمل» وعلى «ذات اليد». المجتمعات البشرية تتحسن أحوالها إذا عرفت كيف تستفيد من «مواهبية» الشيخوخة.


 

الفصل الثاني

المسنّ في الكتاب المقدس

حسبُنا أن نفتح الكتاب المقدّس لنفهم معنى الشيخوخة وقيمتها. كلام الله وحده قادرٌ على أن يجعلنا أهلاً لأن نسبر ما تزخر به هذه المرحلة من الحياة من ملءٍ روحي وأدبي ولاهوتي. نحن نتمنى إذن، للمساعدة في استيعاب معنى العمر الثالث والعمر الرابع، أن نقترح هنا مجموعة من النصوص الكتابية مرفقة بملاحظات وأفكار حول التحديّات التي تواجه المسنّين في المجتمع المعاصر.

«كرّم وجه الشيخ» (أحبار 19، 32)

الاحترام الذي نجده في الكتاب المقدس تجاه الرجل المسنّ يتحول إلى قانون: «قم قدّام الأشيَب […] واتّقِ إلهك!» (أحبار 19، 32). وأيضاً: «أكرم أباك وأمك» (تث 5، 16). ونجد أيضاً في الفصل الثالث من سفر ابن سيراخ (1_16) حثاً لطيفاً جداً على إكرام الوالدِين وبخاصة عندما يتقدّمون في السن، ينتهي بعبارة في منتهى الخطورة: «من خذل أباه كان كالمجدّف ومن أغاظ أمه فلعنة الرب عليه». لا بدّ من السعي لوقف النـزعة المنتشرة اليوم إلى تجاهل المسنّين وتهميشهم والتي «تعلّم» الأجيال الجديدة أن يتخلّوا عنهم: فالشباب والبالغون والمسنّون بحاجة بعضهم إلى بعض.

 

«حدَّثَنا آباؤنا بالعمل الذي عملته في أيامهم، في الأيام القديمة» (مز 43 [33]، 2)

قصص الأجداد على جانب من البلاغة في هذا الشأن. عندما شاهد موسى العلّيقة المحترقة، تجلّى له الله قائلاً: «أنا إله آبائك، إله ابراهيم وإله اسحق وإله يعقوب» (خر 3، 6). لقد قرن الله اسمه بعظماء الشيوخ الذين يمثّلون شرعية إيمان إسرائيل وضمانته. كلُّ ابن وكلُّ شاب يلقى الله - وبالإمكان أن نقول: يتلقّى الله–دائماً وفقط من خلال آبائه الشيوخ. في النص الذي أتينا على ذكره نجد اسم الله إلى جانب اسم كل من هؤلاء الأجداد «إله فلان…» وكأن المقصود أن كلاًّ منهم قد اختبر الله على طريقته الخاصة. وبطريقة لافتة، نرى أنَّ الشيخ يرسم الحاضر مورّثاً ما حظي به: هذا العنصر في عالم يُشيد بالشباب الدائم، مجرّداً من كل ذكرى وكل مستقبل، يبعث على التفكير.


«ما زالوا في المشيب يثمرون» (مز 91 [92]، 15)

قدرة الله قد تتجلّى في زمن الشيخوخة، في سنٍ محكومٍ بالمحدودية والصعاب: «ولكن ما كان في العالم من حماقة، فذاك ما اختاره الله ليخزي الحكماء؛ وما كان في العالم من ضعفٍ فذاك ما اختاره الله ليخزي ما كان قوياً؛ وما كان في العالم من غير حسبٍ ونسبٍ وكان محتقراً فذاك ما اختاره الله: اختار غير الموجود ليزيل الموجود، حتى لا يفتخر بشر أمام الله» (1 قور 1،27-29). إن ما خططه الله لخلاص البشر يتحقق أيضاً في هشاشة أجسادٍ لم تعد بعد في سن الشباب، بل أجسادٌ ضعيفة وعقيمة وعاجزة؛ وهكذا من أحشاء سارة العاقر ومن جسد ابراهيم البالغ المئة ولد الشعب المصطفى (را روم 4، 18-20). وبعد ذلك العهد، ولد يوحنا المعمدان سابق المسيح من أحشاء اليصابات العاقر ومن زكريا، ذاك الشيخ الرازح تحت عبء السنين. يحقّ للمسنّ، حتى إذا كانت حياته محكومة بالضعف، أن يحسب نفسه أداةً في تاريخ الخلاص: «طول الأيام أشبعه وأريه خلاصي» (مز 90 [91]، 16)؛ هذا وعد الرب.


«واذكر خالقك في أيام شبابك، قبل أن تأتي أيام السوء وترد السنون التي فيها تقول: «ليس لي فيها لذة!»

 (جا 12، 1)

هذه المقاربة الببليّة في شأن الشيخوخة تلفت خصوصاً بموضوعيتها المذهلة: ويذكّرنا صاحب المزامير، بالإضافة إلى ذلك، أن الحياة تمر في طرفة عين وليست دائماً خلواً من الأعباء والآلام: «أيام سنينا سبعون سنة وإذا كنا أقوياء فثمانون، وجلّها عناء وشقاء، تمرّ سريعاً ونحن نطير» (مز 89 [90]، 10). أقوال سفر الجامعة–الذي يصف بإسهاب، عبر صور رمزيّة، الانحطاط الجسدي والموت–ترسم عن الشيخوخة لوحةً مرَّة. يضعنا الكتاب المقدّس هنا في تحفّظ تجاه الأوهام التي يمكن أن نتصّورها في شأن عمر قد يعدّ لنا ضيقات ومعضلات وآلاماً. ويدعونا الكتاب المقدَّس إلى أن نتوجَّه إلى الله في غضون حياتنا كلها، لأنه هو المرسى الذي يجب أن نشخص إليه دائماً وخصوصاً في زمن الخوف الذي تورّثه الشيخوخة إذا عشناها في حالة الغرق.

«ثم فاضت روح ابراهيم ومات بشيبة طيّبة شيخاً مشبعاً بالأيام وانضمّ إلى قومه» (تك 25، 8)

هذا النصّ البيبلي يبدو على جانبٍ كبير من مقتضى الحال. لقد نسي العالم المعاصر الحقيقة في شأن الحياة البشريّة وقيمتها، تلك الحقيقة التي طبعها الله منذ البدء في ضمير الإنسان، كما طبع فيه ملء معنى الشيخوخة والموت. لقد فقد الموت، في أيامنا، طابعه القدسي ومعناه الكمالي، وأمسى من «المحرّمات» التي يُستنفد الجهد في طمسها لئلا تزعج أحداً. وقرائن الموت أيضاً قد تبدّلت: لقد كُتب على الإنسان، ولاسيّما إذا كان مُسناً، أن يموت أقلَّ فأقلَّ في بيته، وأكثر فأكثر في المستشفى أو في بيتٍ للمتقاعدين، معزولاً عن جماعته البشريّة. وأمّا أوقات الحداد والأشكال التقويّة الكثيرة فقد بطلت عملياً، وخصوصاً في المدينة. الإنسان المعاصر يبدو وكأنه مخدّر بفعل ما تصوّره الوسائل الإعلاميّة كل يوم عن الموت، فيسعى جهده لتجنب الوقوع في مبارزة مع حقيقة تبعث فيه مشاعر ضياع وجزع وخوف؛ ولذلك فهو يجد نفسه حتماً وحيداً تجاه موته. ولكن ابن الله المتجسّد، لما عُلِّق على الصليب، قلب معنى الموت وفتح باب الرجاء على مصراعيه: «أنا القيامة والحياة. من آمن بي، وإن مات، فسيحيا ومن كان حيّاً وآمن بي فلن يموت أبداً» (را يو 11، 25-26). في ضؤ هذه الكلمات، لم يَعُدِ الموت قضاءً ولا حتى نهايةً لا معقولة في العدم، بل يبدو بمثابة وقتٍ للرجاء الحيّ والأكيد، رجاء اللقاء وجهاً لوجه مع الرب.

 

«علّمنا كيف نعُدُّ أيامنا فننفذ إلى قلب الحكمة»

 (مز 89 [90]، 12)

من «المواهب التي تتميّز بها الشيخوخة»، بحسب الكتاب المقدس، موهبة الحكمة. بيد أن الحكمة ليست مزيّة تلقائية من مزايا السنّ، بل هي هبة من الله على المسنّ أن يتقبلها ويتوخاها، ليصل إلى حكمة القلب التي تمكّنه من أن يعدّ أيامه، أي من أن يعيش بطريقة واعية الزمن الذي وهبته العناية الإلهية لكل منّا. النقطة الأساسية في هذه الحكمة هو اكتشاف الحياة البشريّة في معناها الأعمق واكتشاف الإنسان في مصيره السامي، فإذا كان هذا على جانبٍ من الأهميّة بالنظر إلى الشاب، فهو أكثر أهميّة بالنسبة إلى المُسِنّ الذي يجب أن يوجه حياته بحيث لا يغيب عن ذهنه «الشيء الضروري الوحيد» (را لو 10، 42).

 

«بك يا رب اعتصمت، فلا أُخْزَ للأبد»

 (مز 70 [71]، 1)

هذا المزمور بروعته اللافتة ليس إلاّ واحداً من أدعية المسنّين التي نقع عليها في الكتاب المقدّس والتي تنمّ عن مشاعر النفس الدينية تجاه الله. الصلاة هي الطريق الملكيّة التي تؤدّي بالمسنّين إلى فهم معنى الحياة في الروح. الصلاة خدمة، بل خدمة مقدّسة بإمكان المسنّين أن يؤدُّوها لخير الكنيسة كلها وخير العالم. حتى المسنّون الأشدُّ مرضاً والمقعدون بوسعهم أن يصلّوا. فالصلاة قوتهم وحياتهم. من خلال صلاتهم يشاركون الآخرين آلامهم وأفراحهم، ويستطيعون أن يكسروا طوق العزلة ويخرجوا من وضعهم العاجز. الحديث في شأن الصلاة حديث جوهري له علاقة أيضاً بالطريقة التي يستطيع فيها المُسِنّ أن يصبح إنساناً تأمليّاً. المُسِنْ، رجلاً كان أم امرأة، إذا أمسى، وهو طريح الفراش، في حالاته القصوى، يصير شبه راهب أو ناسك، ويستطيع بصلاته أن يشمل العالم بأسره. قد يبدو من المتعذّر على من قضى كل حياته منهمكاً في العمل أن يصبح إنساناً تأمّلياً. ومع ذلك، ففي الحياة لحظات تنفتح فيها نوافذ لفائدة الجماعة البشرية كلها. والواقع أن الصلاة هي النافذة الأرقى، لأنه ليس من تجدّد، حتى على الصعيد الاجتماعي، إلاّ وينـطلق من التأمل. ملاقاة الله عبر الصلاة تُدخِل في ثنايا التاريخ قوّةً […] تفعل في القلوب وتقودها إلى التوبة والتجدّد وتصبح بذلك طاقة تاريخيّة عظيمة تساهم في تطوير البنى الاجتماعيّة»[6].


الفصل الثالت

معضلة المسنّين معضلة الجميع

التهميش

من بين المعضلات التي يتعرّض لها المسنّون في حياتهم اليوم معضلة التهميش التي قد تمسّ كرامة الإنسان أكثر من غيرها. تفاقم هذه الظاهرة المستجدّة نسبياً قد وجد ارضاً خصبة في مجتمع يراهن على مدى الفعّالية وعلى الصورة الأنيقة التي يكتسبها الشباب الدائم، مستبعداً هكذا من «الشبكات العلاقية» كل الذين لم تعد تتوفّر لهم بعض المقاييس المطلوبة.

إقصاء المسنّين من المسؤوليات المؤسسية وما يستتبعه ذلك من ثغرات اجتماعية إلى جانب الفقر والانخفاض المدقع في المداخيل والموارد الاقتصادية التي تضمن للإنسان حياة كريمة والقدرة على الاستفادة من الإسعافات المناسبة، وكذلك استبعاد المسنّ شيئاً فشيئاً من محيطه الاجتماعي والعيلي: تلك هي العوامل التي تجعل عدداً كبيراً من المسنّين في هامش الجماعة البشرية والحياة المدنية.

وأفجع ما في هذه الحالة التهميشية هو انتفاء العلاقات الإنسانية وما تجرّه على كثير من المسنّين من ألم الانسلاخ، بل من ألم التخلّي والوحدة والعزلة. أضف إلى ذلك تقلّص العلاقات ما بين الأشخاص والعلاقات الاجتماعية وما يستتبعه ذلك من ضعف الهمّة وتدنّي مستوى الاستطلاع والوسائل الثقافية. 

عندما يشعر المسنّون أنهم أمسوا عاجزين عن تغيير وضعهم وعن المشاركة في القرارات التي تهمّهم بوصفهم أفراداً كما بوصفهم مواطنين، فإنهم يفقدون، في آخر المطاف، معنى الانتماء إلى الجماعة التي هم أعضاء فيها.

هذه المعضلة تمسُّ الجميع، وعلى المجتمع في مختلف مرجعياته أن يتدخل ليضمن الحماية الفعلية والمظلة القانونية خصوصاً لهذه الشريحة الكبيرة من الشعب التي تعيش في حالة الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية والإعلامية.

الغوث

نحن نستعين اليوم، أكثر فأكثر، بنظام الغوث المؤسّسي، في رعاية ومساعدة المرضى المسّنين الذين لم يعد بوسعهم أن يقوموا بأودهم وحدهم، وقد فقدوا أقاربهم وضعفت وسائلهم الاقتصادية. بيد أن دخول المستشفى أو دار العناية يمكن أن يترجم بعزل الإنسان عن محيطه المدني. ثمة أشكال من المساعدات الاجتماعية والمؤسسات التي تتفرّع عنها، وهي من مخلّفات ماضٍ مرتبط بقرائن اجتماعية–ثقافية مختلفة، أمست اليوم متخلّفة بل منافية لما استجدّ من حسّ إنساني. كل مجتمع يعي واجباته تجاه الأجيال المتقدّمة في السن التي ساهمت في بناء الحاضر يجب أن يُقيم مؤسسات وخدمات مناسبة، فيضمن للمسنّين–إذا أمكن–إمكان المكوث في محيطهم الحياتي بفضل ما هنالك من مبادرات دعمٍ كالمساعدة البيتيّة والمستشفى النهاري، ومراكز الرعاية النهارية.

في هذه القرائن ليس من النافل أن نعالج مسألة مآوي العجَّز. هذه الدور التي تستقبل أشخاصاً تركوا بيوتهم يجب أن تراعي أكثر فأكثر استقلالية وشخصية كل منهم، وتضمن للجميع ما يمكّنهم من ممارسة النشاطات المرتبطة باهتماماتهم وتبذل من أسباب الرعاية ما يتلاءم مع سنّهم المتقدّمة، وتُفرغ على هذه الضيافة ما أمكن من الأجواء العيلية.

التنشئة والعمل

العقلية المعاصرة تسعى إلى إقامة رباط وثيق بين التنشئة والعمل. وهذا ما يفسّر نقص برامج التنشئة للمسنّين. في زمنٍ أضحى فيه التدريب والتأهيل المتواصل شرطاً أساسياً للمحافظة على المستوى والتكيّف مع ما يجري من تطور سريع في التكنولوجيات والاستفادة منها إلى أبعد ما يمكن، وبخاصة على الصعيد المادي، يجد المسنّون أنفسهم–وقد أمسى علمهم خارج نطاق سوق العمل–مُبعدين عن سياسات التنشئة الدائمة وفي هـذا ما يناقض مطالبهم المتنامية وترقباتهم في هذا المجال.

الانفصال عن عالم العمل وكل ما يرتبط به يجري بطريقة مفاجئة وبدون مرونة ولا يتطابق إلاّ نادراً مع الأوقات والأنماط التي يحدّدها المعنيّون. كثيرون يبحثون عبثاً عن عمل يعوّضون به عن معاشاتهم التقاعدية الهزيلة أو المعدومة. لا بدّ من تلبية هذه الحاجة إلى الأمان وتوفير فُرصٍ تمكّن المسنّين من أن يُنتجوا شيئاً ويعبّروا عن إبداعهم ويُنموا ما تتميّز به حياتهم من طابعٍ روحي.

يبدو الآن من المؤكّد أن التقاعد الإلزامي يجرّ على صاحبه نوعاً من الترهـل المبكر بينما ممارسة النشاط بعد سن التقاعد تعود بالنفع على نوعية الحياة. الأوقات الحرّة التي ينعم بها المسنّون هي إذن الثروة الأولى التي يجب أن نهتم لها لنعيد إليهم دوراً ناشطاً يتيح لهم الإفادة من التقنيات الحديثة، والاندماج في أشغال مفيدة على الصعيد الاجتماعي أو انفتاحاً على خبرات خدمةٍ وتطوّع.

المشاركة

نلحظ أن المسنّين، إذا أتيحت لهم الفرص، يساهمون مساهمة ناشطة في الحياة الاجتماعية، كما على الصعيد المدني والصعيد الثقافي والترابطي. المراكز الكثيرة التي يشغلها المتقاعدون ويتحملون مسؤوليتها تؤكد ذلك على صعيد التطوّع مثلاً، إلى جانب ما لهم من أثرٍ سياسي لا يُستهان به. لا بدّ من أن نصحّح ما يلحق بالمسنّين من تصوّرات خاطئة وأوهام وانحرافات في التصرف تشوّه صورتهم في أيامنا.

يجب أن يتاح للمسنين أن يؤثّروا في السياسات المتعلقة بحياتهم وحياة المجتمع إجمالاً وذلك بفضل منظمات تابعة لهم وهيئات تمثيلية سياسية ونقابية. لا بدّ إذن من أن نشجّع قيام جمعيات للمسنّين ودعم المؤسسات القائمة. هذه التجمعات–على حدّ ما تمناه يوحنا بولس الثاني - «يجب أن يعترف بها المسؤولون في المجتمع، بصفتها تعبيراً عن صوت المسنّين، وبخاصة المحرومين منهم»[7].

صداًّ لذهنية اللامبالاة والفردانية المتشنّجة والمزاحمة والمنفعية التي تهدّد اليوم جميع أوساط المجتمع البشري وتجنباً لكل صدع بين الأجيال، لا بدّ من أن نُنضِجَ عقلية جديدة، وأنماطاً حياتية جديدة وأسلوبا في الوجود جديداً وثقافة جديدة، ولا بدّ من أن نسعى إلى بلوغ رفاهية وعدالة اجتماعية تحترم الإنسان وكرامته.

 


الفصل الرابع

الكنيسة والمسنّون

«حياة المسنّين […] تساعدنا في استكشاف سلَّم القيم الإنسانيّة، وترينا استمرارية الأجيال وتبرهن، بطريقة معجبة، عن ترابط شعب الله»[8]. الكنيسة هي، في الواقع، المكان الذي تشارك فيه الأجيال المختلفة، في خطة الحب الإلهي، في علاقة تبادل للمواهب التي يحملها كل منّا بنعمة الروح القدس؛ تبادل يساهم فيه المسنّون بما يحملونه من قيم دينية وأخلاقيّة تمثِّل تراثاً روحياً غنياً تنتفع به حياة الجماعات المسيحيّة والعِيل والعالم.

الممارسة الدينية تشغل حيّزاً مميّزاً في حياة المسنّين. ويبدو أن المسنّين من العمر الثالث يتميّزون بانفتاح خاص على العالم السماوي. من بين العناصر التي تؤكّد ذلك نورد مثلاً: اشتراك المسنّين، بطريقة مواظبة ومشبعَة، في الاجتماعات الليترجيّة، والارتدادات المفاجئة في حياة الكثيرين من المسنّين الذين يتقربون من الكنيسة بعد سنوات طويلة من البعاد، والحيزّ الكبير المكرّس للصلاة وهو بمثابة مساهمة نفيسة في الرصيد الروحي، رصيد الصلوات والتضحيات الذي تغرف منه الكنيسة والذي يجب إعادة تقييمه ضمن الجماعات الكنسية والعِيل.

التقوى التي يعيشها المسنّون من كلا الجنسين بطريقة بسيطة جداً ولكن بكثير من العمق هي على جانب من التنوّع تحدّدها غالباً وتيرة إيمانهم وطريقة حياتهم في مختلف أطوار وجودهم.

هذه التقوى نجدها أحياناً مطبوعة بشيء من القَدَريّة فيصبح الألم في نظرهم والمحدوديات والأمراض والخسائر المرتبطة بهذا الطور من الحياة علامات تصوّر الله بصورة من فقد الرفق والحنان، إذا لم تبدُ لهم بمثابة عقاب من الله. الجماعة الكنسيّة مسؤولة عن تنقية هذه المشاعر القَدَريّة، وتطوير تقوى المسنّين وإعادة الرجاء إلى أفق إيمانهم.

في ممارسة هذه المسؤولية يلعب التعليم المسيحي دوراً أولاً في محو صورة إله الخوف ومساعدة المسنّين في إكتشاف إله الحب. مؤالفة الكتاب المقدّس والتمعّن في مضامين إيماننا وتأمل موت المسيح وقيامته تساعد في إخلاء قلب المسنّين، في علاقتهم بالله، من هذا الطابع القصاصي الذي ليس له أي صلة بمحبة الآب. المسنّون، باشتراكهم مع الجماعة المسيحيّة في الصلاة الليترجيّة والأسراريّة وفي حياتها، سيدركون أكثر فأكثر أن الربَّ ليس متصلّباً بإزاء ألم الإنسان ولا بإزاء ما يقاسيه المسنّون من صعوبة حياتهم الشخصيّة.

من واجب الكنيسة أن تعلن للمسنّين بشرى يسوع الذي يتجلّى لهم كما تجلّى لسمعان الشيخ وحنة، ويقويّهم بحضوره ويجعل داخلهم يفيض فرحاً بتحقق التوقعات والوعود التي حفظوها حيّة في قلوبهم (را لو 2، 25-38).

من واجب الكنيسة أن تتيح للمسنّين أن يلتقوا المسيح وتساعدهم في العودة إلى اكتشاف معنى معموديتهم التي بها دُفنوا مع المسيح في الموت «ليحيوا [هم أيضاً] حياة جديدة، كما أقيم المسيح من بين الأموات بمجد الآب» (روم 6، 4)، ويجدوا فيه معنى حاضرهم ومستقبلهم. إن الرجاء يتجذّر في الإيمان بحضور روح الله هذا، «الذي أقام يسوع المسيح من بين الأموات» والذي يحيي أيضاً أجسادنا الفانية» (روم 8، 11). وعي التجدّد في المعموديّة يبعث فينا اندهاش الطفولة أمام سرّ محبة الله الذي يتجلّى لنا في الخلق والفداء فلا يغيب من قلب المسنيّن.

من واجب الكنيسة أن توعّي المسنّين توعية رهيفة على ما يترتب عليهم هم أيضاً من مسؤولية نقل إنجيل المسيح إلى العالم، وإعلان سرّ حضوره الدائم في التاريخ. ومن واجب الكنيسة أيضاً أن تنبههم إلى مسؤوليتهم لكونهم شهوداً مميّزين، أمام الجماعة البشريّة والمسيحيّة، لصدق الله الذي يفي دائماً بوعوده.

القيّمون على نقل البشارة أو البشارة الجديدة إلى المسنّين يجب أن يسعوا إلى تنمية الروحانية التي تميّزهم، وهي روحانية الولادة الجديدة الدائمة التي تحدَّث عنها يسوع إلى نيقوديموس الشيخ مناشداً إياه ألاّ تشلَّ الشيخوخة عزمه فيسعى إلى أن يولد ثانية في الروح لحياة جديدة حافلة بالرجاء، لأن «مولود الجسد يكون جسداً ومولود الروح يكون روحاً» (يو 3، 6).

إلى جميع تلاميذه، وفي كل طور من أطوار حياتهم، يوجّه المسيح نداءه إلى القداسة:«كونوا كاملين كما أن أباكم السماوي كامل» (متى 5، 47). على المسنّين أيضاً، بالرغم من السنين التي تمرّ والتي قد توهي فيهم العزائم والهمم، أن يكونوا في مستوى الدعوة إلى خوض آفاق القداسة المسيحيّة الباهرة: فالمسيحي يجب ألاّ يتوقف في مسيرته الروحيّة بداعي الفتور والتعب.

هذا العمل الراعوي يستوجب السعي إلى تنشئة كهنة ومتطوعين–من الشباب والبالغين والمسنّين أنفسهم–يتميّزون بثروتهم الإنسانيّة والروحيّة وقادرين على التقرب من ذوي العمرين الثالث والرابع، وتلبية ما عندهم من ترقبّات شخصيّة، على الصعيد الإنساني والاجتماعي والثقافي والروحي.

القطاعات المختلفة المعنيّة بالعمل الرعائي المتخصص يجب أن تهتم أيضاً بالمسنّين ومقتضياتهم الروحيّة، وذلك انطلاقاً من العمل الرعائي العيلي–الذي لا يسوغ له أن يهمل علاقتهم بالأسرة لا على صعيد الخدمات وحسب بل على صعيد الحياة الدنييـة أيضاً–ووصولاً إلى العمل الرعائي الاجتماعي، مروراً بالعمل الرعائي في عالم الصحة.

رِفد المسنّين أنفسهم في العمل الرعائي أمر لا بدّ منه. فالمسنون، بفضل ما لديهم من ثروة حياة وإيمان، بوسعهم أن يستفيدوا من جُدُدٍ وعُتقٍ ويفيدوا بها الجماعة كلها. يجب ألاّ نعتبر المسنّين أناساً يستفيدون فقط من العمل الرعائي في الكنيسة، بل هم رسل لا بديل منهم، وخصوصاً في بيئة من هم في سنهم، لأنه ليس ثمة من هم على اطلاع أكثر منهم على المعضلات والحساسيات المتعلقة بهذا الطور من الحياة البشرية. رسالة المسنّين بين المسنّين، في شكل شهادة حياة، تكتسب اليوم أهميّة خاصة. ففي عصرنا–على حدّ ما ورد في رسالة بولس السادس «البشارة بالإنجيل»، «يصغي الإنسان أكثر إلى الشهود منه إلى المعلّمين […]، وإذا أصغى إلى المعلّمين فلأنهم شهود» (فقرة 41). ليس من النافل إذن أن نعرف كيف نبرهن، بطريقة عملية، أن هذه المرحلة من الحياة، إذا عاشها الإنسان مسيحياً، تكتسي كل روعة المعنى العميق الذي تجنيه مدة الحياة البشريّة كلها. المناداة المباشرة بكلمة الله من المسنّين إلى المسنّين، ومن المسنّين إلى أجيال أولادهم وأحفادهم، ليست إذن بالأمر الثانوي.

لقد كان المسنون دائماُ ولا يزالون، بكلامهم وصلاتهم، ولكن أيضاً بالتضحيات والعذابات المرتبطة بسنهم المتقدمة، شهوداً بلغاء وناقلي الإيمان إلى جماعاتهم المسيحيّة وعائلاتهم، وذلك أحياناً في ظروف من الاضطهاد الحقيقي، كما جرى ذلك مثلاً في العهود التوتالية الملحدة التي اعتنقت الاشتراكيّة الواقعية في القرن العشرين. من لم يسمع «بالبابوشكا» الروسية،أولئك الجدّات اللواتي استطعن أن يحافظن على الإيمان المسيحي ونقله إلى أجيال أحفادهم، مدة السنين الطويلة التي كان فيها الإيمان جناية؟ بفضل شجاعتهن لم يندثر الإيمان كليّاً في البلاد التي حكمتها الشيوعية، ولا يزال منه غصن ناحلٌ يمكن التشبث به لبعث بشارة جديدة. السنة العالمية 1999 هي فرصة ثمينة للتذكير بتلك الوجوه الخارقة من النساء والرجال المسنّين وما أدّوه من شهادة بطلة وصامتة. الكنيسة والمدنية البشرية كلها مدينة لهم بالكثير.

الجمعيات والمنظمات الكنسية - «وهي من مواهب الروح القدس [للكنيسة] في عصرنا»[9] تضطلع بدور كبير في تشجيع المسنّين على المشاركة الناشطة في عمل التبشير. مسنون كثيرون وجدوا، إلى الآن، تربة خصبة لتنشئتهم وتطوّعهم ورسالتهم في إطار مختلف الجمعيات العاملة في الرعايا، فأصبحوا بذلك عناصر ناشطة داخل الجماعة المسيحية. هناك أيضاً فِرَق وجماعات تعمل خصيصاً مع المسنّين من العمر الثالث. هذه الأجهزة، بفضل مواهبيّتها، تُنشىء بيئات شركة بين الأجيال وجواً روحياً يساعد المسنّين في الحفاظ على همتهم وشبابهم الروحي.


الفصل الخامس

توجيهات في رعاية المسنّين

«الكنيسة تشارك أبناء هذا العصر آمالهم وأحزانهم وضيقاتهم»[10]، ولذا فهي لا تكتفي بأن تغدق عليهم محبتها الوالدية بما لديها من مؤسسات غوث ومحبة، بل تطلب أيضاً من المسنّين أن يستمروا في رسالتهم التبشيريّة التي ليست هي فقط مهمة ممكنة وواجبة حتى في هذه السنّ، بل مسؤوليَّة تكتسي شكلاً مميّزاً ومبتكراً في هذه السنّ بالذات.

في إرشاده الرسولي «العلمانيون المؤمنون بالمسيح» الذي أعلنه يوحنا بولس الثاني في أعقاب السينودس الذي عالج موضوع دعوة العلمانيين ورسالتهم، توجه البابا إلى المسنيّن بقوله: «الانتقال إلى فترة التقاعد يفسح مجالات جديدة لعملكم الرسولي: تلك مهمة يجب أن تضطلعوا بها بجرأة، متخطّين بلا تردّد تجربة الحنين إلى الماضي والانطواء على زمن لن يرجع أبداً ورفض التطوّع الحاضر، بسبب ما يطرأ عليكم من الصعوبات في عالم دائم التجدّد. عليكم، بالعكس، أن تعوا أكثر فأكثر وبطريقة أوضح دوركم الشخصي في الكنيسة وفي المجتمع. هذا الدور لا يمكن أن يتوقف بسبب السن، بل يتخذ وجوهاً جديدة […]. الولوج في العمر الثالث يجب أن يُحسب امتيازاً، ليس فقط لأن الوصول إلى هذه المرحلة فرصة لا يحظى بها الجميع، بل أيضاً وخصوصاً لأن هذا الطور من الحياة يتيح للمسنّين، عمليّاً، أن يتفحَّصوا الماضي تفحصاً أفضل، ويفهموا ويعيشوا السرّ الفصحي بطريقة أعمق ويصبحوا مثالاً في الكنيسة لشعب الله بأسره» (فقرة 48).

على الجماعة الكنسيّة، من جهتها، أن تلبّي ما يترقّبه المسنون من مساهمة تثمّر «موهبتهم» من حيث هم شهود التراث الإيماني (را مز 44، 2؛ خر 12، 26-27)، ومعلّمو حياة (را سير 6، 34؛ 8، 11-12) وعاملون في سبيل المحبة. على الجماعة الكنسيّة إذن أن تلبّي النداء وتعيد النظر في أساليب رعاية المسنّين وتجعلها مجالاً مفتوحاً لعملهم ومساهمتهم.

من بين القطاعات التي تصلح لشهادة المسنّين في الكنيسة، يجب ألاّ نغفِل:

- أعمال المحبة:ثمة عدد كبير من المسنّين الذين يتمتعون بما يكفي من الطاقات الجسديّة والعقليّة والروحيّة ليوظفوا بسخاء ما لديهم من أوقات حرة ومواهب في أعمال وبرامج تطوعية.

- الرسالة:بإمكان المسنّين أن يساهموا مساهمة كبرى في نشر الإنجيـل، بالتعليم المسيحي وشهادة حياتهم المسيحية.

- الليترجيّا:مسنّون كثيرون يساهمون منذ زمن مساهمة فاعلة في الاعتناء بأمكنة العبادة. وهناك عدد أكبر من ذوي العمر الثالث بإمكانهم، إذا نالوا تنشئة صحيحة، أن يصيروا شمامسة إنجيليين دائمين، أو أن ينالوا رتبة القراّء أو المرافقين، أو أن يُركن إليهم استثنائياً في الخدمة الإفخارستيّة أو أن يضطلعوا بمهمةّ التنشيط الليترجيّ وسائر أشكال التقوى الإفخارستيّة والعبادات، وبخاصة العبادات المريميّة وإكرام القديسين.

- حياة الجمعيات والحركات الكنسيّة:لقد لمسنا، خصوصاً بعد المجمـع، إقبال عددٍ كبير من المسنّين على حياة الإيمان في أبعادها الجماعيّة. نموّ الكثير من الحركات والجمعيات وما تمثّله من ثروة كبيرة للكنيسة يعود سببه، بطريقة لافتة، إلى نوع من المشاركة يضمّ الأجيال ويعكس ما تتميّز به مواهب الروح على أنواعها، من ثروة وخصب.

- الأسرة:المسنّون هم «الذاكرة التاريخيّة» للأجيال الصاعدة، ويحملون قيماً إنسانية أساسيّة. فإذا ذهبت الذاكرة، ذهبت الجذور أيضاً ومعها القدرة على الاندراج في مستقبلٍ حافل بالرجاء يتخطىّ الزمن الحاضر. الأسرة والمجتمع كلّه يجنيان إذن فائدة جلّى في العودة إلى التنويه بالدور التربوي الذي يضطلع به الجدود.

- التأمل والصلاة:يجب أن نشجّع المسنّين على أن يكرّسوا السنين التي لا يعلم إلاّ الله وحده كم يبقى لهم منها، للقيام برسالة جديدة مستنيرة بالروح القدس، وبدء مرحلة من الحياة البشريّة تتجلّى، في ضؤ سرّ الرب الفصحي، غنيّة وواعدة إلى أبعد الحدود. في هذا الصدد توجه يوحنا بولس الثاني إلى المشاركين في الندوة الدوليّة في شأن الشيخوخة الناشطة، بقوله: «المسنّون، بما لديهم من حكمة وخبرة هما ثمرة حياة بأكملها، دخلوا في طور من النعمة الخارقة يفسح لهم فرصاً مبتكرة من الصلاة والاتحاد بالله. إنهم ينعمون بطاقات روحيّة جديدة تدعوهم إلى تجنيدها في خدمة الآخرين، فيجعلون من حياتهم تقدمة حارّة إلى الرب معطي الحياة»[11].

 - المحنة والمرض والعذاب:هذه الخبرات تمكّن المسنّين من أن يُتموا في جسدهم وفي قلبهم آلام المسيح لأجل الكنيسة والعالم (را قول 1، 24). إنه لمن الأهميّة بمكان أن نساعد المسنّين–وليس هم وحدهم–في اغتنام هذا الشكل من الشهادة للاستسلام إلى يدي الله، في خطى الرب. ولكن هذا لن يكون ممكناً إلاّ بمقدار ما يشعر المسنّ بأنه محبوب ومكرّم. الاهتمام بالأضعفين والمتألمين والمعاقين هو من واجبات الكنيسة وبرهان صحّة أمومتها. هناك إذن مجموعة من المعالجات والخدمات لا بدّ من القيام بها لكي لا يشعر المسنون بأنهم أمسوا عبئاً لا جدوى منه، ولكي يجعلوا عذابهم فرصة تقرّبهم من سرّ الله والإنسان.

- التجند في خدمة «ثقافة الحياة»:زمن المرض والعذاب يذكّرنا تذكيراً بليغاً بمبدأ الحياة وما تتميّز به من طابع قدسي لا ينتهك ولا يُساوم فيه. رسالة يسوع نفسه، بما حقّقه من معجزات أشفية كثيرة، تبرهن على مدى أهميّة الحياة الجسديّة في نظر الله (را لو 4، 18). ولكن الإنسان لا يسوغ له أن يختار، بطريقة اعتباطيّة، بين أن يموت أو أن يحيا، وبين أن يُميت أو أن يحيي: وحده الذي لنا فيه الحياة والحركة والكيان» (رسل 17، را 28؛ تث 32، 39)، هو سيّد هذا الخيار.

إن ما يميّز عصرنا من انغلاق على معنى السموّ الإلهي لا يزال يوسّع النـزعة إلى تقدير الحياة بمقدار ما توفّره من لذة وبحبوحة وإلى اعتبار العذاب إخفاقاً لا يحتمل، ولا بدّ من التحرّر منه بكل ثمن. الموت الذي يُحسب أمراً «منافياً للمنطق» إذا وضع حداً لحياة لا تزال مشرعة على مستقبلٍ حافلٍ بخبرات هامّة، يمسي بالعكس «وسيلة انعتاق إلزاميّة»، إذا اعتُبر الوجود عارياً من كل معنى لأنه محكوم بالألم. تلك هي القرائن الثقافية المحيطة بمأساة القتل الرحيم الذي تشجبه الكنيسة لأنه يشكل خرقاً ثقيلاً لشريعة الله، بوصفه قتلاً متعمداً لشخصٍ بشري وهو عمل مرفوض أخلاقياً»[12].

نظراً إلى ما هنالك من أوضاعٍ وظروفٍ كثيرة التنوّع في حياة المسنين، لا بدَّ للعمل الرعائي المعنيّ بمن هم في العمر الثالث والعمر الرابع من أن يفعِّل بعض المبادرات للوصول إلى الأهداف التالية.

- التعريف بمطالب المسنّين:ومن أهمها المساهمة في حياة الجماعـة والاضطلاع بنشاطات تلائم أوضاعهم. هذا التعريف يتيح التدخل بطريقة مميّزة لتحسيس الجماعات الكنسية والمدنيّة وتوظيفها وتوجيهها نحو الخيارات الأنسب، من الناحيّة الإنجيلية والثقافية، للعمل على تجديد أعمال المحبة والمساعدة التي تقوم بها الكنيسة.

- مساعدة المسنّين في التخلّص من بعض المواقف التي تفضي بهم إلى اللامبالاة والحذر ورفض المشاركة الفاعلة وتحمل المسؤولية المشتركة.

- ضمّ المسنّين، بلا تفرقة، إلى جماعة المؤمنين. كل المعمّدين، في كل طور من أطوار حياتهم، يجب عليهم أن يجدّدوا ثروة نعمة معموديتهم، ويعيشوها عيشاً كاملاً. لا يستطيع إنسان أن يبقى بمعزلٍ عن بشرى كلام الله وموهبة الصلاة ونعمة الله وبمعزلٍ عن شهادة المحبة.

- تنظيم حياة الجماعة بحيث تُعَزَّز وتُشجَّع مساهمة المسنّين، وتُثمّرُ طاقـات كلٍ منهم. لا بدّ للأبرشيات من أن تُقيم لهذا الغرض بنياتٍ تُعنى بالخِدم التي يقوم بها المسنون. ولا بدّ للرعايا من أن تنمي النشاطات الروحية والجماعية والترفيهيّة لمثل هذه الشريحة من الناس. مشاركة المسنّين في المجالس الأبرشية والراعوية والمجالس المعنية بالشؤون الاقتصادية يجب أن يحسب لها حساب.

- تسهيل مشاركة المسنّين في الاحتفال بالإفخارستيا وتمكينهم من التقرب من سرّ المصالحة والمشاركة في أعمال الحجّ والخلوات والرياضات الروحية على ألاّ يُصرَفوا عن ذلك بسبب النقص في المرافقة أو بسبب اشكالات تقنيَّة.

- التذكير بأن الخدمة والمساعدة المطلوبين للمسنين المرضى أو المعاقين أو الذين فقدوا طاقاتهم العقلّية بسبب تقدّمهم في السنّ تُشكلان أيضاً نوعاً من المرافقة الروحية التي تتحقق في الصلاة والقربى في الإيمان، بوصفها شهادة للحياة وقيمتها التي لا يمكن التفريط بها، حتى وإن تقلّصت إلى أبسط تعابيرها.

- الاهتمام، بطريقة خاصة، بمنح سرّ مسحة المرضى والزاد الأخير مسبوقاً باستعداد تعليمي مناسب. ونتمنّى على الرعاة، عندما تسمح الظروف، أن يُدخلوا سرّ المسحة المرضى في الاحتفالات الجماعيّة، سواء في الرعايا أم في مآوى العجّز.

- التصدّي للنـزعة إلى ترك المدنفين وحدهم، بلا مساعدة دينية ولا تعزية بشرية. هذا الواجب لا يقع فقط على المرشدين الذين لهم، في هذا الشأن، دور أساسي بل أيضاُ على أعضاء الأسرة والجماعة التي ينتمي إليها المدنفون.

- الاهتمام بطريقة خاصة بالمسنين من الأديان الأخرى، من جهة، لمساعدتهم في أن يعيشوا إيمانهم بروح المحبة والحوار، ومن جهة أخرى بالمسنّين غير المؤمنين الذين يجب أن نؤدي لهم، بلا خوف، شهادة إيماننا، بروح الأخوّة والتضامن.

- علينا أن نتذكر أن المسنّين، إذا حقَّ لهم أن يجدوا مكاناً في المجتمع، فإنه يحق لهم أكثر أن يتمتعوا بمكانة مشرِّفة ضمن الأسرة. يجب أن نذكّر الأسرة المدعوّة إلى أن تقيم الشركة بين أفرادها، برسالتها الخاصة: وهي أن تكون قيّمة على الحب، تحافظ عليه وتترجمه وتنقله. ولا بدّ من أن نذكّر الأسرة بواجب القيام بمساعدة أعضائها الأضعفين، ومن بينهم المتقدمون في السن، وإحاطتهم بالمحبة. ولا بدّ من أن نتذكّر أخيراً أن الأسرة بحاجة إلى الدعامات المناسبة، كالمساعدات الاقتصادية والخدمات الاجتماعية والطبيّة وما يتعلّق بسياسة الإسكان والتقاعد والضمان الاجتماعي.

- الاهتمام بالمسنّين العائشين في مؤسسات رسميّة أو خاصة. عزل المسنّين عن محيطهم العيلي يكون أخف صدمةً لو ظلت الجماعة على اتصال بهم. الجماعة الرعوية–وهي عائلة العائلات–يجب أن تكون في «خدمة» المسنّين ومشكلاتهم، وتسعى إلى التعاون مع القيِّمين على هذه المؤسسات للعثور على أساليب مؤاتية تضمن للمسنّين ما يحتاجون إليه من تطوّع وتنشيط ثقافي وخدمة دينية. هذه الخدمة الدينية يجب أن تؤمّن للمسنيّن القوت الإفخارستي، بحيث تكتسي المناولة معنى المشاركة في الاحتفال بيوم الرب ودلالة الأبوّة الإلهية، وخصب حياة وعذابٍ قد يغرقان في الحزن بل في اليأس إذا لم يستنيرا بنور التعزية الإلهية.

- يجب ألاّ ننسى أن بين المسنّين كهنة هم خدام الكنيسة ورعاة الجماعات المسيحيّة. على الكنيسة الأبرشيّة أن تتعهَّدهم بمبادرات وبنيات ملائمة. ولكن الجماعات الرعويّة مدعوّة هي أيضاً إلى المشاركة في ما يضمن للكهنة المسنّين المتقاعدين من الخدمة، بسبب تقدمهم في السنّ أو لأسباب صحية أخرى، حياةً كريمة ولائقة. وهذا يصح أيضاً بالنسبة إلى الجماعات الرهبانية ورؤسائها الذين يجب عليهم أن يهتموا اهتماماً خاصاً بإخوتهم وأخواتهم المتقدّمين في السن.

- يجب أن نعلّم الشباب المنتمين إلى فرقٍ أو إلى جمعيات وحركات ناشطة ضمن الرعايا أن يتضامنوا مع الأعضاء الأكبر سناً في الجماعة الكنسيّة. هذا التضامن بين الأجيال يمكن أن يترجم أيضاً من خلال المرافقة التي يقدّمها الشباب للمتقدّمين في السن. الشباب الذين تتاح لهم فرصة التطوّع في خدمة المسنّين يعلمون أن هذا الاختبار يثقّفهم وينضجهم ويُكسبُهم من معاني التنبه للآخرين ما يفيدهم طوال الحياة. في مجتمعٍ استهلاكي تحكمه الأنانيّة والماديّة وحيث الوسائل الإعلاميّة لا تجدي شيئاً في التصدّي لعزلة الإنسان المستفحلة، يتبيّن أن قيماً مثل قيم المجانيّة والتضحية والمرافقة والحفاوة والاحترام تجاه الأضعفين هي بمثابة تحدٍّ بالنسبة إلى الذين يتوقون إلى ولادة بشريّة جديدة وبالتالي، بالنسبة إلى الشباب أيضاً.

مجموع العمل الرعائي في خدمة المسنّين لا بدّ من أن يستنير استنارة خاصة بالعودة الدائمة لا إلى القرار المجمعي في رسالة العلمانيين وحسب بل أيضاً إلى الوثائق الصادرة عن السلطة التعليمية في الكنيسة في هذه السنين الأخيرة، وبخاصة الإرشاد الرسولي «العلمانيون المؤمنون بالمسيح» والرسالة الرسولية في «الألم الخلاصي» والارشاد الرسولي «إلى الأسر».


 

خاتمة

رحلتنا القصيرة في عالم المسنّين من العمر الثالث والعمر الرابع قد أوضحت لنا معضلات كثيرة ترتبط بهم وتتطلب تدخلات مميّزة من قبل الجماعة المدنيّة، كما تتطلب تنبّهاً رعائياً خاصاً جداً من قبل الجماعة الكنسيّة. هذه المسيرة كشفت لنا أيضاً ما يتميّز به المسنّون من ثروة إنسانيّة ومن حكمة هما من جملة ما يجب عليهم أن يقدّموه للكنيسة والمجتمع.

السير مع المسنّين وصوب المسنّين واجب يقع على الجميع. فلقد حان الوقت، من الآن فصاعداً، أن نبدأ العمل على إجراء تغيير فعلي في الذهنية تجاههم يهدف إلى أن نعيد إليهم المكانة التي تحق لهم ضمن الجماعة البشرية.

المجتمع والمؤسسات المعنيّة بهذه القضايا مدعوّة إلى أن تفسح للمسنّين مجالات محِقّة للتنشئة والمشاركة. وعليها أيضاً أن تضمن لهم أشكالاً من المساعدة الاجتماعية والطبيّة تتلاءم ومقتضيات الحياة المتنوعة وتلبي حاجة الإنسان إلى أن يعيش في الكرامة والعدالة والحريّة. لا بدّ، في تحقيق هذا الهدف، من أن ندعم ونعزّز العمل التطوّعي والمبادرات التي تلهمها المحبّة المسيحية، إلى جانب ما تقوم به الدولة، من منطلق مبدأ التكافل، من سياسات معنيّة بتعزيز الخير العام وحمايته.

على الجماعة الكنسيّة أن تعمل على مساعدة المسنّ في أن يعيش شيخوخته في ضوء الإيمان، ويكتشف بذاته قيمة الطاقات التي بوسعه ومن واجبه أن يقدّمها لخدمة الآخرين. على المسنّ أن يعي أكثر فأكثر أن له مستقبلاً يبنيه، نظراً إلى أن التزامـه الرسولي لا يزال قائماً، وقوامه أن يشهد أمام الأحداث والشباب والبالغين وأترابه في السنّ أن ليس من معنى ولا من سعادة خارج المسيح، لا في الحياة الفرديّة ولا في العلاقات مع الآخرين.

«الحصاد كثير» (را متى 9، 37). هذه الكلمات التي نطق بها الرب تنطبق على حقل العمل الرعائي تجاه المسنّين من العمر الثالث والعمر الرابع، وهو حقل يقتضي، باتساعه، عملاً وجهوداً سخيّة وحثيثة من قبل رسل كثيرين ومساعدين رعائيـين كثيرين وشهود مقتنعين مما يزخر به هذا الموسم من الحياة إذا ارتكز على «صخرة » المسيح (را متى 7، 24-27).

لدينا نموذج خارق من نماذج هذه الحقيقة في شخص يوحنا بولس الثاني وهو، في هذا أيضاً، شاهد كبير لإنسان عصرنا. إن البابا يعيش شيخوخته بطريقة طبيعية جداً. إنه أبعد من أن يتستر عن شيخوخته (من لم يسمعه يوما يمزح في شأن عكازه؟)، بل يعيشها تحت أنظار الجميع ببساطة مطمئنة، يقول عن ذاته: «أنا كاهن شيخ!»؛ إنه يعيش شيخوخته في الإيمان في خدمة المفوّضية التي وكلها إليه المسيح.

إنه لا يستسلم لقدر سنّه الذي بلغ الثامنة والسبعين ولم ينتقص من شباب روحه. ضعفه الجسدي الذي لا يمكن إنكاره لم يقلّل من حميّته في التكرّس لرسالته كخليفة بطرس ونحن نلحظ، في الواقع، أن كلامه لا يزال يكتسب مزيداً من الوقع، وينفذ، أكثر من أي يوم مضى، إلى قلوب الناس.

مرافقة المسنّين، إذا اقترنت برعاية متنبهة لمختلف الحاجات والمواهب وإذا رحّبت بمشاركة الجميع، وتوخّت تثمير الطاقات عند كل فرد، تصبح ثروة للكنيسة جمعاء. نتمنى إذن على الكثيرين من بيننا أن يضطلعوا بهذه المرافقة اضطلاعاً شجاعاً، ويكتنهوا في العمق معنى هذه الطريق المؤديّة إلى توبة القلب ومعنى هذا العطاء المتبادل بين الأجيال.

السنة 1999 هي السنة المكرّسة للمسنّين بقرارٍ من الأمم المتحدة. وهي السنة المكرّسة لله الآب في إطار الاستعداد لليوبيل الكبير. تزامن ربّاني يمكن أن يكون فرصة للأجيال الطالعة لإعادة النظر وإعادة اكتشاف أساس جديد في علاقاتهم مع والديهم؛ وأمّا الذين لم يعودوا في سن الشباب، فهي مناسبة لإعادة التفكير في وجودهم ووضعه في خطّ رؤية سعيدة تشهد أن «الحياة المسيحيّة كلها هي أشبه بحجّ كبير نحو بيت الآب الذي نقع كل يوم على حبه المطلق لكل الخلائق البشريّة.

في السنة الألفين، وهي السنة اليوبيليّة التي تدخل شعب الله في الألف الثالث للتاريخ المسيحي، سوف يكرَّس السابع عشر من ايلول للمسنّين. إننا على يقين من أن المسنّين لن يخلفوا بهذا الموعد. ونحن نرجو أيضاً أن فكرة اليوبيل الكبير سوف تُلهم مبادرات–على الصعيد المحلّي والأبرشي والوطني والدولي–تمكّن المسنّين من التعبير أكثر فأكثر، وبأعداد متناميّة، عن قدرتهم على المشاركة في حياة العالم والكنيسة، ونقـل الرجاء وتقبل الأمل. فإنه معهم فقط وبفضلهم يمكننا أن نرفع الحمد للرب، ونترنم به بفرح من جيل إلى جيل (را مز 78 [79]، 13).

 

من الفاتيكان، في 1 تشرين الأول 1998

 

+ STANISLAW RYLKO                       JAMES FRANCIS Card. STAFFORD

 الكردينال جيمس فرنسيس ستافورد                   + ستانيسلاس ريلكو 

                 رئيس                                        أمين عام        


فهرس

مقدمة..........................................................3

الفصل الأول

الشيخوخة معنىً وقيمة.....................................9

الفصل الثاني

المسنّ في الكتاب المقدس.................................15

الفصل الثالث

معضلة المسنّين معضلة الجميع..........................22

الفصل الرابع

الكنيسة والمسنّون.........................................27

الفصل الخامس

توجيهات في رعاية المسنّين..............................34

خاتمة........................................................45

 

                                

 

 



[1]قطاع «السكان» في مصلحة الشؤون الاقتصاديّة في الأمم المتحدة نشر في 26 تشرين الأول 1998 التقديرات والتطلعات التي توصل إليها في الشأن الديمغرافي. الفصل المخصص لنموّ عدد المسنّين يبيّن لنا أن الستة والستين مليوناً من البالغين من الثمانين وأكثر في عالم اليوم سوف يبلغ عددهم 370 مليوناً سنة 2050، وفي هذا التاريخ سوف يكون عدد البالغين سنَّ المئة ما يقارب الـ 000 200 2 في سنّ المئة.

2 آخر البحوث في الأمم المتحدة لا تزال تميل إلى التخفيف من تخمينات التنامي السكاني في العقود المقبلة. الصندوق السكاني في الأمم المتحدة، في تقريره عن حالة السكان العالميّة، يثبت هذا التباطؤ السكاني. فعدد الولادات، من الآن فصاعداً، لا نراه مرتفعاً إلاّ في عدد محصور من البلاد الإفريقيّة. وأمّا في غيرها من البلدان، من آسيا إلى اميركا اللاتينية، فمعدّل الولادات لا ينفك يتضاءل.

3 تطبيق هذه المبادىء وإعادة النظر في خطة العمل الدولية ومراجعة الستراتيجيّة التي تبنَّتها جمعيّة الأمم المتحدة سنة 1992 تكوّن «الأهداف الشاملة المتعلقة بمشكلة الشيخوخة لسنة 2001».

4 تعاليم 7، 1 (1984)، ص 744.

5 تعاليم 5، 3 (1982)، ص 125.

6 يوحنا بولس الثاني، خطاب في البيروو بمناسبة مؤتمر الكنيسة الإيطالية، الوثائق الكاثوليكية، 7 كانون الثاني 1996، فقرة 2129، ص 10.

[7]تعاليم 5، 3 (1982)، ص 130.

8 تعاليم يوحنا بولس الثاني 3، 2 (1980)، ص 539.

9 يوحنا بولس الثاني، عظة أثناء سهرة العنصرة، الرقيب الروماني، النشرة الأسبوعية.

10 فرح ورجاء، فقرة 1.

[11]تعاليم 3،2 (1980)، ص 538.

[12]«أنجيل الحياة»،فقرة 65.

 

top