zoomText
  • A
  • A
  • A
AR  - DE  - EN  - ES  - FR  - IT  - PL  - PT

الزّيارة الرّسوليّة إلى إسبانيا
6-12 حزيران/يونيو 2026

كلمة قداسة البابا لاوُن الرّابع عشر

في اللقاء مع أعضاء البرلمان الإسبانيّ

في مجلس النّوّاب، مدريد

الاثنين 8 حزيران/يونيو 2026

[Multimedia]

_______________________________

السّيّد رئيس الحكومة،
السّيّدة رئيسة مجلس النّوّاب،
السّيّد رئيس مجلس الشّيوخ،
السّيّد رئيس المحكمة الدّستوريّة،
السّيّدة رئيسة المحكمة العُليا والمجلس العام للسُّلطة القضائيّة،
السّادة أعضاء مجلس النّوّاب ومجلس الشّيوخ،
السّيّدات والسّادة،

أشكر السّيّدة الرّئيسة على كلماتها الطّيّبة، وكذلك على الدّعوة التي تلقّاها الكرسيّ الرّسوليّ في مناسبة زيارتي إلى هذا البلد، وعلى كرم استضافتي في هذا القصر التّاريخيّ لمجلس النّوّاب، الذي يُعدّ مركزًا بارزًا للحياة المؤسّساتيّة والقانونيّة والدّيمقراطيّة في مملكة إسبانيا. أقف أمامكم بصفتي أُسقف روما وراعي الكنيسة الكاثوليكيّة، وأنا مُدرك أنّ الرّسالة التي أُوكلت إلى خليفة الرّسول بطرس باعتباره مبدأ وأساس وَحدة الأساقفة والمؤمنين (راجع نور الأمم، 23) تضع الكرسيّ الرّسوليّ، بشكل خاصّ، في حوار مع الشّعوب والدّول.

حضوري بينكم هو علامة قرب ومودّة لإسبانيا، في إطار التّعاون المتبادل، وهو كلمة أقدّمها بناء على خدمتي      للإنسان. الكنيسة ”تسير مع البشريّة“، وتشاركها آمالها وجراحها، وتصغي إلى تساؤلات كلّ عصر، وتتجاوب ”مع كلّ ما يتعلّق بوجود رجال ونساء اليوم“. لذلك، عندما تتوجّه إلى الحياة العامّة، فإنّها تقوم بذلك مع احترام رسالة المؤسّسات الخاصّة والمسؤوليّة المشروعة لمن تلقّوا تفويضًا للتشريع. وهي تعترف بـ”استقلاليّة الواقع الدّنيويّ“ و ”التّمييز بين الجماعة الكنسيّة والجماعة السّياسيّة“، وانطلاقًا من هذا الوعي بالتّحديد، تقدّم تأمّلًا ينبع من الرّغبة في خدمة الخير العام والتّذكير بما يجعل العيش المشترك إنسانيًّا حقًّا (راجع الإنسانيّة الرّائعة، 18-19).

في قاعة البرلمان هذه، يتّخذ العيش الاجتماعيّ معًا شكلًا قانونيًّا. هنا تُسمع الاختلافات، وتُنظّم، وتتحوّل، عندما يكون ذلك ممكنًا، إلى قرار مشترك. لذلك، وبغضّ النّظر عن التّنوّع المشروع في المواقف، فإنّ كلّ عمل تشريعيّ يُقابَلُ في النّهاية بسؤال حاسم: أيّ مفهوم للإنسان يُلهم القوانين، وأيّ نوع من المجتمع تبنيه هذه القوانين.

أمام هذا السّؤال، إسبانيا لها ذاكرة غنيّة بشكل خاصّ. فقد تداخلت هويّتها الجغرافيّة والسّياسيّة مع تاريخ استطاع فيه الإيمان والعقل، والفنّ والقانون، والتّقليد والفكر، أن يلتقوا بشكل مُثمر. في كاتدرائيّاتها وجامعاتها، وفي أدبها الخالد، وفي مؤسّساتها القانونيّة، وفي روح شعبها نفسه، لا يزال حيًّا الإرث الذي شكّل طريقة عيش الحرّيّة، وممارسة العدل، وتنظيم الحياة المشتركة.

من صفحات دون كيشوتي (Don Chisciotte) العالميّة، حيث أعلن سرفانتس (Cervantes) أن "الحرّيّة […] هي من أثمن العطايا التي منحتها السّماء للإنسان" (دون كيشوتي دي لا مانشا، II، 58)، وصولًا إلى العمق الرّوحيّ للقدّيسة تريزا الأفيليّة، ومن التّقليد القانونيّ الإسبانيّ الكبير إلى القلق الميتافيزيقيّ لأونامونو (Unamuno)، الذي ذَكَّر أنّ الإنسان "لا يستسلم للموت استسلامًا كاملًا" (الشّعور المأساويّ بالحياة، I)، عرفت إسبانيا أن تنظر إلى الإنسان على أنّه أكثر من مجرّد جزء من النّظام الاجتماعيّ أو الاقتصاديّ أو السّياسيّ: بل اعترفت به مخلوقًا منفتحًا على الحقيقة، وله حرّيّة، ويدفعه عطش إلى الأبديّة لا تستطيع أيّة حقيقة زمنيّة أن ترويه، باختصار، إنسان تسبق كرامته أيّ منفعة، وتخضع لخدمته الإجراءات التّشريعيّة.

لذلك، عندما نتكلّم اليوم على الإنسان، تقودنا هذه الذّكرى بشكل طبيعيّ إلى سالامانكا وإلى الفكر الذي نضج هناك. الحضور الرّمزيّ للملكة إيزابيل والملك فرناندو في هذه القاعة يعود بنا إلى تلك اللحظة التي واجهت فيها إسبانيا مسؤوليّات تاريخيّة ذات أبعاد عالميّة، وبعد بضع سنوات، كان على سالامانكا أن تتولّى، بوضوح فريد، التّفكير الأخلاقيّ والقانونيّ الذي كان يتطلّبه ذلك السّيناريو. في تلك الجامعة، قبل خمسمائة سنة، عندما كانت عوالم جديدة تفتح أبوابها وإمكانيّات هائلة تظهر في العلاقات بين الشّعوب، أدرك بعض المعلّمين أنّه لا يمكن استحضار العقل لإضفاء الشرعيّة على ما تقدّمه القوّة أو المصلحة على أنّه مناسب. وهكذا أدخلوا في التّمييز التاريخيّ السّؤال عن القيمة التي لا يمكن المساس بها لكلّ إنسان والحدود الأخلاقيّة للسُّلطة. يجب علينا أن نعترف أنّ المجتمع، والكنيسة نفسها، لم يكونا دائمًا على مستوى الحَدس الذي كان يجد صدىً في تقاليدهما المسيحيّة نفسها.

مع ذلك، فتح ذلك السّؤال أفقًا فكريًّا وأخلاقيًّا تجاوز لحظته التاريخيّة. ففكرة كلّ العالم (totus orbis)، أي جماعة إنسانيّة أوسع من أيّ سُلطة خاصّة، سمحت بتأكيد وجود روابط قانونيّة وأخلاقيّة بين الشّعوب. من إسبانيا، ساهمت أفكار مدرسة سالامانكا - وبشكل خاصّ فكر الرّاهب فرانسيسكو دي فيتوريا (Francisco de Vitoria)، مع رهبان دومينيكانيّين ويسوعيّين آخرين - في تكوين وعي قانونيّ وأخلاقيّ قادر على أن يذكّر بأنّ السُّلطة تحمل معها دائمًا مسؤوليّة، وأنّه يجب الاعتراف بكلّ إنسان على أنّه صاحب حقوق وواجبات. لا يزال هذا النّداء يتردّد صداه حتّى اليوم: يجب أن تكون الكرامة والعدل والخير العام هي المقياس للعلاقات الاجتماعيّة، سواء على المستوى الوطنيّ أم الدّوليّ.

هذا واحدٌ من إرث إسبانيا الكبير: أن تجمع بين العمل التاريخيّ ووضوح العقل الأخلاقيّ. هذه المساهمة، التي ولدت على ضفاف نهر تورميس (Tormes)، تجاوزت قاعات الدّراسة والمكتبات، وصارت جزءًا من وعي أوسع، يشترك فيه المجتمع الدّوليّ الذي لا يزال يتساءل كيف يبني السّلام على أساس الاعتراف بالإنسان وليس على فرض القوّة. هذا الإرث يعيش في هذا البرلمان أيضًا، في كلّ مرّة يتساءل فيها المُشرِّع كيف يجعل ما هو ممكن عادلًا، وكيف يجعل ما هو قانونيّ إنسانيًّا حقًّا، وكيف يجعل إرادة الأغلبيّة تحرس خيرات الجميع، وتحترم لما لا يمكن لأيّة أغلبيّة أن تنقضه بشكل مشروع.

لا يزال سؤال سالامانكا يرافق مهمّة الذين يخدمون الحياة العامّة. اليوم، لم تعد العوالم الجديدة التي تفتح أمامنا ترسم على الخرائط: بل تتجلّى في التّكنولوجيّا، والاقتصاد، وطبّ الحياة، والعالم الرّقميّ، حيث يبلغ نفوذ الإنسان أكثر المجالات حساسيّة في الحياة الشّخصيّة والاجتماعيّة.

يقدّم لنا التّقدّم إمكانيّات رائعة، ونرى ذلك اليوم بشكل فريد في تطوّر الذّكاء الاصطناعيّ والتّكنولوجيّات الجديدة. كما ذكرت في رسالتي البابويّة العامّة الأخيرة، فإنّ التّكنولوجيا في حدّ ذاتها ليست محايدة لأنّها تأخذ شكل من يصمّمها، ويموّلها، وينظّمها، ويستخدمها (راجع الإنسانيّة الرّائعة، 9)، لذلك، أمام التحوّلات التي يشهدها عصرنا، يجب أن يركّز تمييزنا على المكانة التي يحتلّها الإنسان في قراراتنا، وكيف ننظر اليوم، بطريقة جديدة، إلى كرامة العمل والتّضامن والسّياسة الاجتماعيّة والخير العام.

يبدأ هذا التّمييز بتأكيد أوّلي: كلّ مجتمع عادل حقًّا يُبنى على الاعتراف بكرامة الإنسان التي لا يجوز نقضُها. هذه الكرامة تسبق أيّ امتياز تمنحه الدّولة ولا يمكن أن تخضع لتوافقات اجتماعيّة متغيّرة أو لتقلّبات الأغلبيّة في كلّ لحظة (راجع بندكتس السّادس عشر، كلمة أمام البرلمان الفيدرالي الألماني، 22 أيلول/سبتمبر 2011). هذه الكرامة هي لكلّ إنسان بمجرّد أنّه حيّ، ولذلك يجب أن توجّه كلّ نظام قانونيّ إيجابي. تعلنها العقيدة المسيحيّة انطلاقًا من الوَحي، ويمكن للعقل البشريّ أن يعترف بها بما أنّها ضرورة مطبوعة في حقيقة الإنسان (راجع المرجع نفسه). عندما يبقى هذا الاقتناع حيًّا فينا، يصير القانون حاميًا للجميع وضمانة ضدّ فرض المصالح والأجندات الخاصّة.

على هذا الأساس، يقع على عاتقي اليوم أن أقول كلمة هادئة وحازمة أمام الذين يتحمّلون المسؤوليّة الجسيمة عن تنظيم العيش الاجتماعيّ معًا تنظيمًا قانونيًّا. هذا العيش معًا يمكن أن تهدّده ثقافة الإقصاء، كما حذّر البابا فرنسيس مرارًا وتكرارًا (راجع كلمة أمام الجمعيّة العامّة للأكاديميّة البابويّة للحياة، 27 أيلول/سبتمبر 2021). بهذا المعنى، إن لم يعد يُعترف بالحياة على أنّها قيمة أساسيّة، فما هو المستقبل الذي يمكن أن يكون لمجتمعاتنا؟ هل يمكن أن يُطلق على مجتمع يهمّش الطّفل الذي لم يولد بعد، والمسنّ، والمريض، والمتألّم في صمت، أو الذي يعتمد بشكلٍ كامل على رعاية الآخرين، أنّه مجتمع عادل تمامًا؟ ليس الدّفاع عن الحياة البشريّة مسألة جزئيّة ولا مصلحة طائفيّة: إنّه هدف حضاري. يجب الاعتراف بكلّ حياة بشريّة وحمايتها منذ الحمل وحتّى نهايتها الطّبيعيّة، في كلّ ظروف حياتها. وعندما يتلاشى هذا اليقين، يكون المستَضعَفون هُم أوّل الضّحايا، ويفقد القانون أعمق معناه: أي خدمة وحماية كلّ إنسان. لذلك، تظهر عظمة الأمّة الأخلاقيّة، قبل كلّ شيء، في قدرتها على مرافقة وحماية ومحبّة هذه الأرواح المعرّضة للضعف أكثر من غيرها.

الخير العام، بمعنى ما، هو ”الصّورة الاجتماعيّة للكرامة الإنسانيّة“ (راجع الإنسانيّة الرّائعة، 59). وهو لا يتمثّل في مجرّد مجموعة المصالح الخاصّة، بل في "مجموعة أوضاع وظروف اجتماعيّة تسمحُ للجماعات ولكلّ فرد من أفرادها بالوصول إلى الكمال بطريقةٍ أسهل وأكثر شموليّة" (فرح ورجاء، 26). عندما يكُفُّ الخير العام عن أن يكون أفقًا مشتركًا، يوشك العمل العام أن يتفتّت إلى مصالح جزئيّة، غير قادرة على حماية ما هو ملك للجميع.

في هذا السّياق، تكتسب العائلة أهمّيّة خاصّة، باعتبارها الحقيقة الإنسانيّة الأولى والأساس الطّبيعيّ للجماعة. في البيت تتشابك الأجيال وتُنقل ذاكرة حيّة تضفي استمراريّة داخليّة على المجتمع. وحيث توطَّد العائلة، يتعزّز أيضًا الاستقرار الرّوحيّ والاجتماعيّ للأمم. ستبقى العائلة دائمًا المدرسة الأولى للإنسانيّة التي نتعلّم فيها، قبل أيّ مكان آخر، القواعد الأساسيّة للعيش معًا: أي تقبُّل الحياة، ورعاية الآخر، والمغفرة، والخدمة، والانتماء.

المؤسّسات التّربويّة أيضًا لها مكانة حاسمة في هذه المهمّة. ففيها، يمكن للأجيال الجديدة أن تتعلّم البحث عن الحقيقة وحُبّها، والتّساؤل عن معنى الحياة وكرامة كلّ إنسان. لذلك، فإن الآباء والأمّهات الكثيرين، الذين يريدون أن يتعلّم أبناؤهم كيفيّة التّواصل، والتّفكير بروح نقديّة، واكتساب قيم راسخة، يضعون فيها آمالًا كبيرة، باعتبارها حليفًا قيِّمًا في تربيتهم. هذا التّعاون يجب أن يحترم دائمًا "الحقّ الأوّليّ وغير القابل للتصرّف" للآباء في "اختيار نوع التّعليم والتّنشئة الذي يُقدَّم لأبنائهم، بما يتماشى مع قناعاتهم الأخلاقيّة والثّقافيّة والدّينيّة" (راجع الإنسانيّة الرّائعة، 143؛ راجع المعاهدة الدّوليّة للحقوق المدنيّة والسّياسيّة، المادّة 18. 4).

لا يمكن أن يبقى تأكّيد الكرامة الإنسانيّة أمرًا تجريديًّا في الوقت الذي يضطر فيه الكثير من النّاس إلى ترك كل شيء للبحث عن السّلام والأمن والمستقبل. كما أنّ مأساة الهجرة الكارثيّة تستدعي اليوم ضمير الأمم والأساس الأخلاقيّ للنظام الدّوليّ. رجالٌ كثيرون، ونساء وأطفال، يُجبرون مرارًا بسبب ظروف مأساويّة، إلى ترك جماعاتهم وترك أحبّائهم وتاريخهم وروابطهم وراءهم. هذه الحقيقة تتجاوز أيّة قراءة ديموغرافيّة أو اقتصاديّة محضة: إنّها مسألة أخلاقيّة وقانونيّة بامتياز. وحيث يتعرّض شخص ما للتمييز والتفرقة بسبب أصله القوميّ أو العِرقيّ أو الدّينيّ أو اللغويّ، أو بسبب وضعه الاقتصاديّ أو الاجتماعيّ، فذاك نقضٌ خطير لمبدأ المساواة العالميّ في الكرامة بين جميع البشر.

أوضاع المهاجرين واللاجئين تتطلّب استجابة تنظر إلى الأشخاص، وتواجه الأسباب التي تجبرهم على المغادرة، وتتجاوز مجرّد إدارة موجات الهجرة. من هنا ينشأ مطلبان للعدالة الاجتماعيّة: توفير مسارات آمنة وقانونيّة، واستقبال محترم، وإمكانيّات حقيقيّة للاندماج، وفي الوقت نفسه، تعزيز الحقّ في البقاء على أرض الوطن، والعمل على ألّا يضطرّ أحد إلى مغادرة بيته بسبب انعدام السّلام، أو الأمن، أو ظروف الحياة الكريمة، أو بسبب أنواع التفاوت الاقتصاديّ وآثار أزمة المناخ (راجع الإنسانيّة الرّائعة، 81).

في السّنوات الأخيرة، أظهرت الطّرق التي تزداد خطورةً التكلفة الباهظة لهذا الواقع، وقد يتِمُّ غالبًا إخفاء ذلك أو تجاهله. لا يزال الكثير من النّاس يقعون ضحايا للمتاجرين والمهرّبين الذين يستغلّون يأسهم. من الضّروريّ أن نعزّز الوقاية والإنقاذ ونساعد الضّحايا، وخاصّة في إطار التّعاون الإقليمي والمتعدّد الأطراف.

لا يمكن لأيّة دولة أن تواجه بمفردها تحدّيًا بهذا الحجم. لذلك، فإنّ الاستجابة المنسّقة والمتضامنة والفعّالة لا غنى عنها، وهي قادرة على ضمان الحماية والاستقبال وفرص حقيقيّة للاندماج للمهاجرين. وعندما تصير الاستجابة المؤسّساتيّة قريبة وعادلة ومنسّقة، تتوقّف الحدود عن أن تكون أماكن للتخلّي ويمكن أن تتحوّل إلى أماكن لحماية كرامة الإنسان بشكل مسؤول.

أصحاب السّعادة،

العالم يمرّ بأزمة روحيّة وثقافيّة عميقة، تظهر في أشكال متعدّدة من العنف والاستقطاب وانعدام الثّقة المتبادل. في هذا السّياق، يظهر السّلام بوصفه تطلّعًا سياسيًّا، بل وأكثر من ذلك، ضرورةً أخلاقيًّة حقيقيًّة. إنّه يتطلّب كلمة عامّة تحترم من يفكّر بشكل مختلف، ومؤسّسات تخدم اللقاء، وذاكرة تاريخيّة تسعى إلى الحقيقة والمصالحة، وحياة اجتماعيّة قادرة على تعزيز الصّداقة المدنيّة والاحترام المتبادل وسط الاختلاف.

على الصّعيد الدّولي، يتطلّب السّلام شجاعة دبلوماسيّة ومسؤوليّة أخلاقيّة ورؤية مستقبليّة قائمة على احترام هويّة كلّ شعب وعلى التزام الدّول بحلّ نزاعاتها بالوسائل السّلميّة التي يقدّمها القانون الدّوليّ. فكلّ حرب تشكّل، في نهاية المطاف، هزيمة مؤلمة لقدرة التّفاوض، وكذلك للوعي الإنسانيّ المشترك الذي يعترف بالرّوابط العادلة بين الأمم. يمكن للأسلحة أن تفرض صمتًا مؤقّتًا، لكنّها لن تتمكّن أبدًا من بناء سلام حقيقيّ ودائم.

لذلك، من المقلق أن يعود التسلّح، في أماكن مختلفة من العالم، وفي أوروبا أيضًا، ويظهر كأنّه استجابة شبه حتميّة أمام الضّعف في السّاحة الدّوليّة. بينما يولد الأمن الحقيقيّ من العدل، ومن الحوار الصّبور، ومن احترام القانون الدّوليّ، ومن سياسة قادرة على وضع حياة الشّعوب فوق المصالح التي تستفيد من الحرب. كما أنّ تطوير التّكنولوجيّات الجديدة والذّكاء الاصطناعيّ في المجال العسكريّ يتطلّب أيضًا مراقبة أخلاقيّة صارمة، حتّى لا تُترك القرارات المتعلّقة بالحياة والموت أبدًا للأنظمة الآلية، ولا تُستبعد هذه القرارات من مسؤوليّة الإنسان الأخلاقيّة (راجع كلمة في جامعة الحكمة- La Sapienza، 14 أيّار/مايو 2026).

المجتمع الدّولي مدعو إلى أن يكتشف من جديد القيمة التي لا غنى عنها للحوار، كطريق صبور نحو اتّفاقات عادلة ودائمة، قائمة على احترام المعاهدات، وشفافيّة العمل الدبلوماسيّ، والإرادة الصّادقة لتقديم السّلام على اللجوء إلى القوّة. وهكذا تولد الثّقة ويولد الأمل.

يذكّر شعار الاتّحاد الأوروبي: ”الوَحدة في التّنوّع“، بأنَّ الوَحدة الحقيقيّة لا تفرض التسوية المطلقة التي تزيل الفروق بين النّاس، بل توحِّد في إطار التّنوّع، وتجعل من الثّقافات والأحاسيس والتّقاليد فرصةً للغنى المتبادل.

وكذلك، من الضّروريّ داخل المجتمعات نفسها بناء ثقافة تقوم على روح التّبادل. فلا ينبغي للتعدّديّة السّياسيّة أن تنحدر إلى تشويهٍ دائم للخصم. ففي العيش النّاضج معًا، يمكن حتّى للصراع أن يصير طريقًا نحو السّلام، عندما تُلطَّف الاختلافات بالإصغاء، وتُوجَّه نحو الاعتراف باحتياجات الجميع وتطلّعاتهم وقدراتهم.

غير أنّ السّلام ليس مجرّد واقع سياسيّ أو مؤسّسيّ. فهو يولد أيضًا في الضّمير، حيث يفسح الحقد واللامبالاة والكراهية المجال للمصالحة. لهذا فإنّ السّلام يُرسَّخ ويُصان أيضًا باللغة. فالكلمات يمكنها أن تفتح الطّرق أو أن تغلقها، ويمكنها أن تنير الواقع أو أن تشوّهه إلى حدّ يجعل اللقاء مستحيلًا. ومن يتحمّل مسؤوليّة عامّة يقع عليه، لهذا السّبب، واجب خاصّ في صون الكلمة من أجل "نزع السّلاح من اللغة" (رسالة الزّمن الأربعينيّ لسنة 2026، 13 شباط/فبراير 2026). فالثّبات لا يستلزم الاحتقار، والاختلاف في الرّأي لا يقتضي الإذلال.

من هذا الاحترام للآخر ينبع أيضًا واجب صون المجال الذي تنضج فيه قناعاته وضميره وعلاقته بالله. إنّ الاهتمام بهذا البعد الدّاخليّ يتيح فهمًا أفضل لمسألة حاسمة بالنّسبة إلى كلّ مجتمع ديمقراطيّ حقيقيّ، وهي حرّيّة الفكر والضّمير والدِّين، ذلك الحقّ الأساسيّ الذي يحمي المجال الأعمق والأكثر خصوصيّة في حياة الأشخاص. فالحرّيّة التي تقوم عليها الدّولة المعاصرة، إن كانت أصيلة، تعترف ببعد الإنسان الدّينيّ، وتحترمه، وتحميه قانونيًا، كما تتجنّب أن يُضطر أيّ شخص إلى التخلّي عن الإسهام في المجتمع الذي يعيش فيه بسبب إيمانه.

من دون أن نخلط بين المستوى القانونيّ والمستوى الأخلاقيّ، يجدر بنا أن نذكّر أيضًا بأنّ الحرّيّة تحتاج إلى فهمٍ كامل لنفسها. أن يكون الإنسان حرًّا لا يعني فقط أن يكون متحرّرًا من القيود أو أن يمتلك خياراتٍ عديدة. بل يعني أن يكون قادرًا على أن يعرف الخير والالتزام به بمسؤوليّة. ولهذا فإنّ كلّ مجتمع حرّ بالفعل يحتاج أيضًا إلى تحديدٍ عادل لسُلطة الدّولة، بحيث لا تُقيَّد حرّيّة الأشخاص والجماعات والهيئات بصورة غير مشروعة (راجع كرامة الإنسان، رقم 1). من هذا المنظور، يجب ألّا نفسّر أبدًا الاستقلاليّة المشروعة للنظام الزّمني على أنّها عداء للظاهرة الدّينيّة. فالإيمان لا يطمح إلى فرض نفسه بالامتيازات أو الإكراه. غير أنّه لا يمكن أيضًا أن يُدفَع إلى الصّمت كما لو كان أمرًا غير ذي صلة بالحياة العامّة.

في هذا السّياق، يكتسب سرّ الاعتراف في سرّ التّوبة أهمّيّة خاصّة بالنّسبة إلى الكنيسة الكاثوليكيّة. فهو يندرج ضمن الإطار الأوسع للحرّيّة الدّينيّة، التي تضمن للجماعات المؤمنة حيّزًا خاصًّا لحياتها وتنظيمها وانضباطها الدّاخليّ (راجع مؤتمر الأمن والتّعاون في أوروبا، الوثيقة الختامية لهلسنكي، 1 آب/أغسطس 1975، المبدأ السّابع). إنّ حمايته قانونيًّا، كما هو الحال بصورة مماثلة في بعض المهن، يعني أن نحافظ على مكان مقدّس للحرّيّة الدّاخليّة، يستطيع فيه المؤمن أن يفتح نفسه لله من دون خوف من الضّغوط الخارجيّة، كما تعترف بذلك أيضًا القواعد الدّوليّة (راجع المحكمة الجنائيّة الدّوليّة، قواعد الإجراءات والأدلة، القاعدة 73. 3).

سيّداتي وسادتي،

اسمحوا لي أن أتوقّف لحظة عند بعض الصّوّر التي تزيّن هذه القاعة. ففي قاعة الجلسات هذه، يدخل الضّوء الطّبيعيّ من الكوّة التي تتوّج السّقف. وهذا الضّوء الآتي من العُلى يمكن أن يذكّرنا بأنّ السّياسة أيضًا تحتاج إلى أن تعرف معيارًا يسبقها ويتجاوزها.

كما أنّ اللوحات التي تذكّر، في الجزء العلوي من الجدار الرّئيسيّ، بقبول الإنجيل والوصايا العشر، فإنّها تذكّر بشيءٍ جوهريّ. من دون أن تخلط بين النّظام السّياسيّ والنّظام الدّينيّ، تدعو هذه الرّموز إلى أن نعترف بأنّ الحرّيّة الحديثة قد تهيّأت أيضًا بفضل تربية طويلة للضمير، تأثّرت تأثُّرًا عميقًا بالتّقليد المسيحيّ. ففي هذه المدرسة في داخل الإنسان تعلّمت الشّعوب أنّ القانون يجب أن يكون في خدمة الخير، وأنّ العدل يضع حدودًا للقوّة، وأنّ السُّلطة تحتاج إلى الشّرعيّة، وأنّ الفقراء ينتمون انتماءً كاملًا إلى الجماعة، وأنّ الغريب يجب أن يُستقبَل بما يليق بكرامته، وأنّ الحياة البشريّة لا يجوز أبدًا أن تصير سلعة.

القانون لا يحقّق سموّه الحقيقيّ لمجرّد أنّه أُقِرَّ رسميًّا. بل يحقّقه عندما يكون، بالإضافة إلى كونه صحيحًا من حيث الشّكل، قادرًا على أن يقدِّم نفسه أمام كرامة الإنسان ويجتاز هذا الامتحان من دون خجل.

لذلك أدعوكم إلى أن ترفعوا نظركم. لا لتبتعدوا عن الواقع، بل لتتذكّروا أنّ كلّ قرار تتّخذه السُّلطات العامّة يمسّ أشخاصًا من لحم ودم، ولا سيّما الذين لهم قدرة أقلّ على إيصال أصواتهم. فالرّؤيّة السّامية هي تحديدًا في النّظر بعمق أكبر إلى ما هو على المحكّ في كلّ قرار عام. ولهذا، فإلى جانب الحلول التّقنيّة والإصلاحات التّشريعيّة، هناك حاجة أيضًا إلى تجديد أخلاقيّ.

إنّ إسبانيا قادرة على أن تقدِّم الكثير في هذا المسار. فلديها لغة توحّد القارات، وتراث ثقافيّ وقانونيّ وروحيّ استطاع أن يقيم حوارًا بين الإيمان والعقل، وبين القانون والضّمير، وبين الوَحدة والتعدّديّة. كما أنّ هذه الخبرة التّاريخيّة تذكّر بقيمة الوِفاق وبأهمّيّة الجهد الصّبور لبناء عيش سلميّ وعادل.

لتحفظ هذه الأمّة النّبيلة دائمًا ذاكرة جذورها، وليظلّ فيها الجرأة على التّطلّع إلى المستقبل. ولتستمرّ إسبانيا في أن تكون أرضًا للّقاء والثّقافة والتضّامن والرّجاء. وليكن في حياتها العامّة مزيجٌ دائمٌ من القناعات الرّاسخة ونبل الحوار وسموّ الخدمة.

لِيَمنَح الله السّلام لجميع أمم الأرض، والوِفاق للعائلات، والطّمأنينة للضّمائر. وَلْتَحِلَّ على مملكة إسبانيا، الموسومة بصورة القدّيس يعقوب الرّسول وبحضور مريم العذراء الوالديّ سيِّدة ”البيلار“ (Virgen del Pilar)، أيّامُ ازدهار وعدل وسلام دائم. شكرًا جزيلًا.

***********

© جميع الحقوق محفوظة – حاضرة الفاتيكان 2026