zoomText
  • A
  • A
  • A
AR  - DE  - EN  - ES  - FR  - IT  - PL  - PT


الزِّيارة الرَّسوليَّة إلى الجزائر والكاميرون وأنغولا وغينيا الاستوائيَّة
13-23 نيسان/أبريل 2026

عظة قداسة البابا لاوُن الرّابع عشر

في القدّاس الإلهيّ

في بازيليكا الحبل الطَّاهر بسيِّدتنا مريم العذراء- مونغومو (Mongomo)

22 نيسان/أبريل 2026

[Multimedia]

_____________________________

أيّها الإخوة والأخوات الأعزّاء،

في هذه البازيليكا الرّائعة، المكرَّسة للحبل الطّاهر بسيِّدتنا مريم العذراء، أمّ الكلمة المتجسّد وشفيعة غينيا الاستوائيّة، نجتمع لكي نُصغي إلى كلمة الرّبّ يسوع ونحتفل بالذِّكرى التي تركها لنا باعتبارها قِمّة وينبوع حياة الكنيسة ورسالتها. القربان الأقدس يشمل حقًّا كلّ الخير الرّوحيّ للكنيسة: إنّه المسيح فصحنا الذي وهب ذاته لنا، وهو الخبز الحيّ الذي يُشبعنا، وهو الحضور الذي يكشف لنا عن محبّة الله اللامتناهية لكلّ العائلة البشريّة وعن مجيئه للقاء كلّ امرأةٍ وكلّ رجل، اليوم أيضًا.

يسعدني أن أحتفل معكم، وأشكر الرّبّ يسوع على المائة وسبعين سنة من إعلان بشارة الإنجيل في هذه الأراضي من غينيا الاستوائيّة. إنّها مناسبة ملائمة لكي نتذكّر كلّ الخير الذي صنعه الرّبّ يسوع، وفي الوقت نفسه، أودّ أن أُعرب عن شكري للمرسلين والمرسلات الكثيرين، والكهنة الأبرشيّين، ومعلّمي التّعليم المسيحيّ، والمؤمنين العلمانيّين الذين بذلوا حياتهم في خدمة الإنجيل.

هُم تسلّموا تطلّعات وتساؤلات وجِراح شعبكم، وأناروها بكلمة الرّبّ يسوع، وصاروا علامةً لمحبّة الله في وسطكم. وبشهادة حياتهم، ساهموا في مجيء ملكوت الله، بدون أن يخشوا الألم من أجل أمانتهم للمسيح.

إنّه تاريخ لا يمكنكم أن تنسوه، فهو من جهة يربطكم بالكنيسة الرّسوليّة والجامعة التي سبقتكم، ومن جهة أخرى رافقكم لكي تصيروا أنتم أنفسكم العاملين في إعلان الإنجيل والشّهادة للإيمان، وتُتمّموا الكلام النّبويّ الذي نطق به البابا القدّيس بولس السّادس على أرض أفريقيا: "يا أبناء أفريقيا، من الآن فصاعدًا، أنتم تكونون المرسلين لأنفسكم. كنيسة المسيح غُرست حقًّا في هذه الأرض المباركة" (عظة ختام مؤتمر أساقفة أفريقيا، كمبالا، أوغندا، 31 تمّوز/يوليو 1969).

من هذا المُنطلق، أنتم مدعوّون اليوم إلى أن تواصلوا طريقكم الذي رسمه المرسلون والرّعاة والعلمانيّون الذين سبقوكم. ومطلوب من الجميع ومن كلّ واحدٍ التزامًا شخصيًّا يشمل كلّ الحياة، لكي يُغذّي الإيمان، الذي تحتفلون به بفرحٍ كبير في جماعاتكم المسيحيّة وليتورجيّاتكم، وأعمالَ المحبّة التي تقومون بها ومسؤوليّتكم تجاه القريب، من أجل تعزيز خير الجميع.

هذا الالتزام يتطلّب المثابرة، ويكلّف جهدًا، وأحيانًا تضحيّة، لكنّه العلامة على أنّنا حقًّا كنيسة المسيح. في الواقع، القراءة الأولى التي أصغينا إليها، تروي لنا في بعض الآيات كيف أنّ الكنيسة التي تعلن الإنجيل بفرحٍ ومن دون خوف، هي أيضًا كنيسة قد تتعرّض للاضطهاد، لهذا السّبب بالتّحديد (راجع أعمال الرّسل 8، 1-8). من جهة أخرى، سفر أعمال الرّسل يقول لنا إنّه بينما يُجبر المسيحيّون على الهرب ويتشتّتون، يقترب كثيرون من كلمة الرّبّ يسوع، ويرون بعيونهم شفاء المرضى في الجسد والرّوح: إنّها علامات حضور الله العجيبة، التي تولّد فرحًا كبيرًا في كلّ المدينة (راجع الآيات 6-8).

وهكذا، أيّها الإخوة والأخوات، حتّى وإن لم تكن الظّروف الشّخصيّة والعائليّة والاجتماعيّة التي نعيشها مواتية دائمًا، يمكننا أن نثق بعمل الرّبّ يسوع، الذي يُنبت بذرة ملكوته الصّالحة بطرقٍ لا نعرفها، حتّى عندما يبدو أنّ كلّ شيء من حولنا صار جافًّا، بل وحتّى في لحظات الظّلمة. بهذه الثّقة، المتجذّرة في قوّة محبّته أكثر من استحقاقاتنا، نحن مدعوّون إلى أن نبقى مُخلصين للإنجيل، ونُبشِّر به، ونعيشه بملئه، ونشهد له بفرح. الله لن يحرمنا من علامات حضوره، ومرّةً أخرى، كما قال لنا يسوع في الإنجيل الذي أصغينا إليه قبل قليل، سيكون لنا ”خبز الحياة“ الذي سيُشبع جوعنا (راجع يوحنّا 6، 35).

ما هو الجوع الذي نشعر به؟ وما الذي يجوع إليه هذا البلد اليوم؟ شِعار زيارتي هو "المسيح، نور غينيا الاستوائيّة نحو مستقبل رجاء"، وربّما هذا هو الجوع الأكبر اليوم: هناك جوع إلى المستقبل، ولكن إلى مستقبل يسكنه الرّجاء، يمكنه أن يُنشئ عدلًا جديدًا، ويُثمر سلامًا وأخوّة. وليس مستقبلًا مجهولًا، يجب علينا أن ننتظره انتظارًا سلبيًا، بل مستقبلًا نحن أنفسنا مدعوّون، بنعمة الله، إلى بنائه. إنّ مستقبل غينيا يمرّ عبر خياراتكم، وهو موكول إلى حسّ مسؤوليّتكم وإلى التزامكم المشترك من أجل حماية حياة كلّ إنسان وكرامته.

لذلك، من الضّروري أن يشعر كلّ المعمَّدين بأنّهم مُشاركون في عمل إعلان البشارة، ويصيروا رسلًا للمحبّة وشهودًا لإنسانيّة جديدة.

إنّها دعوة إلى المشاركة، بنور الإنجيل وقوّته، في التّنمية المتكاملة لهذه الأرض، وفي تجديدها وتحويلها. الثّروات الطّبيعيّة التي خصّكم بها الخالق كثيرة: أدعوكم إلى أن تتعاونوا لكي تكون هذه الثّروات بركةً للجميع. ليُساعدكم الرّبّ يسوع لتصيروا أكثر فأكثر مجتمعًا يَعمل فيه كلّ واحدٍ، بحسب مسؤوليّاته المختلفة، في خدمة الخير العام وليس المصالح الخاصّة، وتتجاوزوا الفروقات بين المميّزين والمحرومين. لتكثُر مساحات الحرّيّة، ولتُصن دائمًا كرامة الإنسان: أفكّر في الأشدّ فقرًا، والعائلات التي تعاني من الصّعوبات، وأفكّر في المسجونين، الذين يُضطرّون في كثير من الأحيان أن يعيشوا في ظروف صحّيّة ونظافة مقلقة.

أيّها الإخوة والأخوات، نحن بحاجة إلى مسيحيّين يتولّون زمام مصير غينيا الاستوائيّة. لذلك أودّ أن أشجّعكم: لا تخافوا من أن تعلنوا الإنجيل وتشهدوا له! كونوا أنتم بناة مستقبلٍ من الرّجاء والسّلام والمصالحة، وواصلوا العمل الذي بدأه المرسلون قبل مائة وسبعين سنة.

لترافقكم سيِّدتنا مريم العذراء الكليّة الطّهارة في هذه المسيرة. لتشفع لكم وتجعلكم تلاميذ كرماء وممتلئين فرحًا للمسيح.

***********

© جميع الحقوق محفوظة – حاضرة الفاتيكان 2026