zoomText
  • A
  • A
  • A
AR  - DE  - EN  - ES  - FR  - IT  - PL  - PT

الزِّيارة الرَّسوليَّة إلى الجزائر والكاميرون وأنغولا وغينيا الاستوائيَّة
13-23 نيسان/أبريل 2026

كلمة قداسة البابا لاوُن الرّابع عشر

في اللقاء مع السُّلُطات وممثِّلي المجتمع المدنيّ والسِّلك الدِّبلوماسيّ

في القصر الرّئاسيّ- مالابو

21 نيسان/أبريل 2026

[Multimedia]

_____________________________

السّيّد الرّئيس،
السُّلُطات والسِّلك الدِّبلوماسيّ المحترمين،
سيداتي وسادتي،

أحيّيكم بمودّة، وأشكركم على حُسن استقبالكم وعلى كلامكم الذي وُجَّهتموه إليّ. ويسعدني أن أكون هنا لزيارة شعب غينيا الاستوائيّة الحبيب. عندما زار القدّيس البابا يوحنا بولس الثّاني بلدكم سنة 1982، وصفكم، السّيّد الرّئيس، بأنّكم "المركز الرّمز الذي تتلاقى فيه تطلّعات الشّعب الحيّة من أجل إرساء مناخٍ اجتماعيّ من حرّيّةٍ أصيلة، وعدلٍ، واحترامٍ وتعزيزٍ لحقوق كلّ شخصٍ أو مجموعة، وظروفٍ معيشيّة أفضل تُمكّن الجميع من أن يحقّقوا أنفسهم كبشرٍ وكأبناءٍ لله" (القدّيس يوحنا بولس الثّاني، كلمة إلى رئيس غينيا الاستوائيّة، مالابو). إنّه كلام نعيشه الآن، ويُخاطب كلّ من أُنيطت به مسؤوليّات عامّة. من جهة أخرى، "إنّ آمالَ البشرِ وأفراحَهم، وأحزانَهم وضيقاتهم، في زمننا هذا، لا سيّما الفقراء منهم والمعذَّبين جميعًا، هي أفراحُ تلاميذِ المسيح وآمالُهم، وأحزانُهم وضيقاتهم. وهل من شيءٍ إنسانيٍّ حقّ إلّا وله صداهُ في قلوبهم؟" (الدّستور الرّعائي، في الكنيسة في عالم اليوم، فرح ورجاء، 1). هذه التّعابير من الدّستور الرّعائي، فرح ورجاء، الصّادر عن المجمع الفاتيكانيّ الثّاني، تعبّر أحسن تعبير عن الأسباب والمشاعر التي تقودني إليكم، لأثبّتكم في الإيمان وأعزّي شعب هذا البلد الذي يشهد تحوّلًا سريعًا. في قلب الله، وفي قلب الكنيسة، يتردّد صدى ما يحدث هنا، بين ملايين الرّجال والنّساء الذين بذل ربّنا يسوع المسيح حياته من أجلهم.

تعلمون أنّ القدّيس أَغُسطِينُس كان يقرأ الأحداث والتّاريخ بحسب نموذج المدينتَين: مدينة الله، الأبديّة، والتي تتّسم بمحبّته غير المشروطة (amor Dei)، والمرتبطة بمحبّة القريب، ولا سيّما الفقراء، ومدينة الأرض، وهي مكان إقامة مؤقّت يعيش فيه الرّجل والمرأة حتّى الموت. في هذا المنظور، تعيش المدينتان معًا حتّى نهاية الأزمنة (راجع مدينة الله، 19، 14)، ويُظهر كلّ إنسان، بقراراته اليوميّة، إلى أيٍّ منهما يريد أن ينتمي.

أعلم أنّكم بدأتم مشروعًا ضخمًا لبناء مدينة صارت منذ أشهر قليلة العاصمة الجديدة لبلادكم. أردتم أن تسمّوها باسمٍ يبدو أنّه يُردّد صدى اسم أورشليم في الكتاب المقدّس: مدينة السّلام (Ciudad de la Paz). ليكن هذا القرار دعوةً لكلّ ضميرٍ ليسأل نفسه: أيّ مدينة يريد أن يخدم! وكما سبقَ وقُلت للسّلك الدّبلوماسيّ المُعتمد لدى الكرسيّ الرّسوليّ، فإنّ مدينة الأرض، بالنّسبة للأب الكبير القدّيس أَغُسطِيُنس، تقوم على حبّ الذّات المتكبّر(amor sui) ، وعلى شهوة السُّلطة والمجد الدّنيويّين، اللذَين يقودان إلى الدّمار.

من جهة أخرى، يرى أَغُسطِينُس أنّ الله يدعو المسيحيّين إلى أن يسكنوا في المدينة الأرضيّة بقلوبٍ وعقولٍ متّجهة نحو المدينة السّماويّة، وطنهم الحقيقيّ. إنّها المدينة التي خَرَجَ إليها إبراهيم "وهو لا يَدْري إِلى أَينَ يَتَوَجَّه. بِالإِيمانِ نَزَلَ في أَرْضِ الميعادِ نُزولَه في أَرضٍ غَريبَة، وأَقامَ في الخِيامِ معَ إِسحقَ وَيَعقوبَ الشَّريكَينِ في الميراثِ المَوعودِ عَينِه، فقَد كانَ يَنتَظِرُ المَدينَةَ ذاتَ الأُسُس واللهُ مُهَندِسُها وبانِيها" (العبرانيّين 11، 8-10). كلّ إنسان يمكنه أن يقدّر الوعي العريق بأنّنا نعيش على الأرض كعابرين. ومن الضّروريّ أن يُدرك الفرق بين ما يدوم وما يزول، وأن يحفظ نفسه حرًّا من الثّروة غير العادلة ومن وَهم السّيطرة. وبشكلٍ خاصّ، "المسيحيّ، وهو يعيش في المدينة الأرضيّة، ليس غريبًا عن العالم السّياسيّ، ويسعى إلى تطبيق الأخلاق المسيحيّة، المستوحاة من الكتاب المقدّس، في الحكم المدنيّ. مدينة الله لا تقدّم برنامجًا سياسيًّا، بل تُقدّم تأمّلات ثمينة في قضايا أساسيّة من الحياة الاجتماعيّة والسّياسيّة" (كلمة إلى الدّبلوماسيّين المُعتَمدين لدى الكرسيّ الرّسوليّ، 9 كانون الثّاني/يناير 2026).

اليوم، تعليم الكنيسة الاجتماعيّ هو عون لكلّ من يريد أن يواجه ”الأمور الجديدة“ التي تُزعزع الكوكب والتّعايش الإنسانيّ، ويسعى أوّلًا وقبل كلّ شيء إلى ملكوت الله وبرّه. هذا جزء أساسيّ من رسالة الكنيسة: المساهمة في تنشئة الضّمائر، بإعلان الإنجيل، وتقديم معايير ومبادئ أخلاقيّة أصيلة، مع احترام حرّيّة كلّ فرد واستقلاليّة الشّعوب وحكوماتها. إنّ هدف تعليم الكنيسة الاجتماعيّ هو التّربية على مواجهة المشاكل، التي هي دائمًا مُختلفة، لأنّ كلّ جيل هو جيل جديد، مع تحدّياتٍ جديدة، وأحلامٍ جديدة وأسئلةٍ جديدة.

وبصورة خاصّة، تظهر أمامنا قضايا تهزّ أُسس الخبرة الإنسانيّة. وكما سبقَ وأكّدتُ، مُقارنًا زمننا بالزّمن الذي أصدر فيه البابا لاوُن الثّالث عشر الرّسالة البابويّة العامّة، الشّؤون الجديدة، اليوم "الإقصاء هو الوجه الجديد للظلم الاجتماعيّ. فقد اتّسعت الهوّة بين ”أقلّيّة صغيرة“ – ما يُعادل 1% من السّكان – والأغلبيّة السّاحقة بشكل مأساويّ. [...] عندما نتكلّم على الإقصاء، نجد أنفسنا أيضًا أمام هذا التّناقض. فغياب الأرض، والغذاء، والمَسكن والعمل الكريم يتعايش مع الوصول إلى التّقنيّات الجديدة التي تنتشر في كلّ مكان عبر الأسواق المعولمة. فالهواتف المحمولة، وشبكات التّواصل الاجتماعيّ، وحتّى الذّكاء الاصطناعيّ، في متناول ملايين الأشخاص، بمن فيهم الفقراء" (كلمة إلى الحركات الشّعبيّة، 23 تشرين الأوّل/أكتوبر 2025). نتيجة لذلك، يجب على السُّلطات المدنيّة والسّياسة الصّالحة أن تُزيل العوائق أمام التّنمية البشريّة المتكاملة، التي من مبادئها الأساسيّة هي الغاية العالميّة للخيرات والتّضامن.

مثلًا، لا يمكننا أن نُخفي أنّ التّطوّر التّكنولوجيّ المتسارع الذي نشهده قد سرّع من وتيرة المضاربات المرتبطة بالحاجة إلى المواد الأوّليّة، التي يبدو أنّها تجعلنا ننسى الاحتياجات الأساسيّة مثل الحفاظ على الخليقة، وحقوق الجماعات المحلّيّة، وكرامة العمل، وحماية الصّحّة العامّة. وفي هذا الصّدد، أكرّر نداء البابا فرنسيس، الذي غادر هذا العالم السّنة الماضية: "اليومَ علينا أن نقول لا لاقتصادِ إقصاءٍ وتفاوتٍ اجتماعيّ. إنّ مثل هذا الاقتصاد يقتل" (فرنسيس، الإرشاد الرّسوليّ، فرح الإنجيل، 53). في الواقع، من الواضح اليوم، أكثر ممّا كان عليه الحال قبل بضع سنوات، أنّ من بين الدّوافع الأساسيّة لتنامي الصّراعات المسلّحة هو استعمار حقول النّفط والمعادن، دون مراعاة القانون الدّوليّ وحقّ الشّعوب في تقرير مصيرها.

يبدو أنّ هذه التّقنيّات الجديدة نفسها صُمِّمت واستخدمت في المقام الأوّل لأهداف حربيّة، وفي أُطرٍ دلاليّة لا توحي بتوسيع الفرص للجميع. عكس ذلك، بدون تغيّر حقيقيّ في تحمّل المسؤوليّة السّياسيّة، وبدون احترام للمؤسّسات والاتّفاقات الدّوليّة، فإنّ مصير الإنسانيّة معرَّض للخطر بشكلٍ مأساويّ. الله لا يريد ذلك. ولا يمكن أن يُدنَّس اسمه القدّوس بإرادة الهيمنة والغطرسة والتّمييز: وقبل كلّ شيء يجب ألّا نستخدمه من أجل تبرير اختيارات وأعمال الموت. لا يتردّد بلدكم في دراسة مسارات تنميته، وفرصه الإيجابيّة في أن يضع نفسه على السّاحة الدّوليّة في خدمة الحقّ والعدل.

بلدكم بلدٌ شابّ! لذلك، أنا على يقين من أنّكم ستجدون في الكنيسة عونًا من أجل تنشئة ضمائر حرّة ومسؤولة، تسيرون بها معًا نحو المستقبل. في عالمٍ جرحه الاستبداد، تكون الشّعوب فيه جائعة ومتعطشة إلى العدل. يجب علينا أن نقدّر من يؤمن بالسّلام، ويتجرّأ على انتهاج سياسات تسير عكس التّيار، ويكون محورها الخير العام. نحن بحاجة ماسّة إلى الشّجاعة إلى رؤية جديدة وإلى ميثاقٍ تربويّ يمنح الشّباب مكانًا وثقة. في الواقع، يجب علينا أن نتقبّل مدينة الله، مدينة السّلام، على أنّها عطيّة تأتي من العُلى، وإليها نوجّه رغباتنا وكلّ مواردنا. فيها وعدٌ وفيها واجب. وسكّانها "يَضرِبونَ سُيوفَهم سِكَكًا ورِماحَهم مَناجِل" (أشعيا 2، 4)، وبعد أن يمسحوا كلّ دمعة، سيشاركون في وليمةٍ لم تعد حكرًا على نخبة، لأنّ المُسَمَّنات والخَمرَة المُعَتَّقَة والمُسَمِّنات ذاتِ المُخّ (راجع أشعيا 25، 6) سيتمّ مقاسمتها بين الجميع.

السّيّد الرّئيس، سيداتي وسادتي، لنسِرْ معًا، بحكمةٍ ورجاء، نحو مدينة الله، التي هي مدينة السّلام. شكرًا!

 

***********

© جميع الحقوق محفوظة – حاضرة الفاتيكان 2026