الزّيارة الرّسوليّة إلى إسبانيا
6-12 حزيران/يونيو 2026
عشيّة الصّلاة
في المدرّج الأولمبيّ ”لويس كومبانيس“ (Lluís Companys) - برشلونة
9 حزيران/يونيو 2026
_______________________________
حوار قداسة البابا لاوُن الرّابع عشر في عشيّة الصّلاة
عظة قداسة البابا لاوُن الرّابع عشر في عشيّة الصّلاة
__________________
حوار قداسة البابا لاوُن الرّابع عشر في عشيّة الصّلاة
1. أيّها الأب الأقدس، نكبر ونحن نسمعهم يقولون لنا إنّ الهدف الوحيد في الحياة هو الإنتاج، وتحقيق النّجاح، والاهتمام بصورتنا. لقد اختبرت ذلك بنفسي، لكنّني لم أجد سوى فراغ هائل. أثناء بحثي عن إجابات، حدثت نقطة تحوّل في حياتي، وفي عيد الفصح في هذه السّنة قبِلْتُ سرّ المعموديّة. الآن، وأنا في هذه المسيرة الجديدة، أودّ أن أسألكَ: كيف يمكننا أن نُبقي نظرنا موجّهًا نحو ما يهمّ حقًّا، بينما يدفعنا المجتمع إلى أن ننظر باستمرار إلى أسفل أو إلى أنفسنا فقط؟ كيف يمكننا أن نكتشف دعوتنا الحقيقيّة وسط هذا التّيّار؟
شكرًا على هذه الشّهادة. أودّ أوّلًا أن أشاركك فرحتك وفرحة جميع الذين قبلوا سرّ المعموديّة في عيد الفصح هذه السّنة.
هناك العديد من الشّباب والبالغين الذين يكتشفون الإيمان المسيحيّ من جديد، ربّما بعد فترة من حياتهم كانوا فيها قد ابتعدوا قليلًا عن الله. إنّها خطوة مهمّة حقًّا. في الواقع، كلّ ما نكتشفه ونتقبّله ونعيشه تدريجيًّا في كلّ مسيرتنا، يساهم بالتّأكيد في نموّنا ونضجنا وتوسيع آفاق الحياة في داخلنا، وفي الوقت نفسه، بين فرحنا ونجاحاتنا وهزائمنا، ندرك أنّنا بحاجة إلى ماء آخر لنروي عطشنا بشكل أعمق. رغبتنا في الحقيقة والسّعادة تحتاج إلى أُفق أوسع. وهذا القلق هو عطيّة منحنا إيّاها الله نفسه: خلقنا الله على قياس اللانهاية، ولذلك فإنّ كلّ أفق محدود، وكلّ خطوة، وكلّ إنجاز، رغم أنّه يُرضينا، فإنّه في الوقت نفسه يدفعنا إلى الأمام ويدعونا إلى أن نواصل البحث، وأن نتقدّم في بحثنا، وقبل كلّ شيء، أن نبحث ”وننزل إلى داخلنا“، أي أن ننظر في أعماقنا.
وهنا أعود إلى السّؤال مع فكرتين قصيرَتين. الفكرة الأولى: من الضّروريّ أن ننمّي هذا القلق الصّحّيّ. ففي مجتمعاتنا، عبادة الرّبح والإنتاجيّة، والهوس الدّائم بضرورة الإنتاج والفوز، وكذلك عبادة الصّورة الشّخصيّة، وكلّها ليست إلا مخدّرات تخدّر ضميرنا وتجعله يتكيّف مع فكرة معيّنة عن المجتمع. عندما يتعلّم النّاس أن يتوقّفوا، ويعطوا قيمة للأمور المهمّة، ويقدّروا الوقت بطريقة جديدة، ويفكّروا في حياتهم مستنيرين بالإنجيل، فإنّهم يطوّرون أيضًا تفكيرًا نقديًّا تجاه نظام اجتماعيّ لا يضع الإنسان في المقام الأوّل، ويؤدّي إلى أوضاع من الظّلم والفقر الوجودي على مستويات مختلفة. لهذا السّبب فإنّ القلق مخيف، وكذلك اكتشاف الحياة الدّاخليّة، والرّوحانيّة، وأكثر من ذلك الإنجيل. الفكرة الثّانية هي: يجب أن ننمّي هذا القلق في هذا العالم، وليس في عالم آخر. داخل هذا المجتمع اكتشفتَ أنتَ وآخرون كثيرون قيمة حياة أكثر إنسانيّة، فيها امتلاء أكثر، ومنفتحة على اللقاء مع الله وعلى فرح الإيمان. هذا يعني أنّه، على الرّغم من الصّعوبات، فإنّ المكان الذي يحضر فيه الله والذي يجب علينا أن نجد آثاره فيه هو دائمًا الواقع الذي نعيش فيه. نؤمن بأنّ الرّوح القدس يعمل بصمت في جميع ظروف الحياة والتّاريخ، حتّى في التي تبدو أصعب الأمور. يجب أن ننمّي هذا القلق ونفسح له المجال، كما قُلت، ”ونبحث في داخلنا“، ونحاول ألّا تطغى علينا إيقاعات الحياة والإغراءات الخارجيّة، ونخصّص لحظات للصمت، وربّما نتوقّف لبضع دقائق في اليوم لنقرأ الإنجيل ونتكلّم إلى الله، ونحاول أيضًا أن نسير بهذه المسيرة الدّاخليّة مع الآخرين، فنسمح لأنفسنا بأن نُرافَق في المسيرات الكنسيّة المختلفة، ونتحاور مع الكهنة والرّهبان والأشخاص الذين سلكوا هذه المسيرة مثلنا.
2. أيّها الأب الأقدس، في عالَم تُعلن فيه الأمور بالصّراخ، بعض جوانب الحياة تبقى مخفيّة، بسبب الخجل، مثل الاكتئاب، وهو مرض صامت يصيب أناسًا كثيرين، شبابًا وبالغين، ويجلب معه الظّلام والعُزلة وألمًا كبيرًا. أحيانًا يكون هذا الألم خانقًا لدرجة أنّ فكرة الاختفاء تبدو هي المخرج الوحيد. أنا نفسي كافحت لكي أخرج من هذا المرض، في صمت مدة سنوات، وفي يوم جمعة مساءً خسرت المعركة وحاولت أن أنتحر. أنا هنا لأنّ الله أعطاني فرصة ثانية، وسأكون شاكرة له إلى الأبد، لكن هناك آخرين كثيرين ما زالوا يواجهون هذه الظّلمة. لذلك، أسألكَ من كلّ قلبي: أين يمكننا أن نرى الله عندما تكون الظّلمة دامسة ولا نستطيع أن نتحمّل ثقل الحياة؟ كيف يمكننا أن نثق بالله، عندما يبدو أنّ لا شيء يستحقّ العناء، ولا حتّى أنفسنا؟
قبل كلّ شيء، شكرًا لأنّكِ شاركتِنا اليوم خبرتكِ مع الألم. أنا متأثّر لأنّك استطعتِ أن تتكلّمي على ذلك، وأنّك هنا بيننا، وأنّكِ وجدتِ القوّة لتقبلي هذه الفرصة الثّانيّة التي منحكِ إيّاها الرّبّ يسوع. لقد نهضتِ واستأنفتِ مسيرتكِ، وهذه معجزة رائعة نراها في العديد من شخصيّات الإنجيل: عندما نكون مع يسوع، حتّى الذي يشعر بالضّياع يستعيد الثّقة بالحياة، ويشفى من المرض، ويمكنه النّهوض والعودة إلى الحياة.
في سؤالكِ، أشرتِ أوّلًا إلى ”المرض الصّامت“ وهو الاكتئاب، ومن المهمّ أن ندرك كيف أنّ الصّحّة النّفسيّة تتعرّض للتهديد بشكل متزايد في سياق المجتمعات التي تعتبر نفسها متقدّمة. إنّها إشارة إلى أنّ هناك شيئًا خاطئًا جدًّا في فكرة معيّنة عن النّموّ التي تعرّض النّاس لضغوط وتوقّعات وتوتّرات تُخِلّ بالتّوازنات الأساسيّة. لذلك، من الضّروريّ وجود نظام صحّي يُدرج ضمن أولويّاته هذا المرض غير المرئيّ والمتفشّي، الذي يصيب الشّباب أيضًا.
ومع ذلك، أظهرَ لنا كلامكِ أيضًا أنّ الألم يختبر الإيمان والمعنى الذي نعطيه للحياة. وهذا ينطبق على الجميع، وليس فقط على الذين يواجهون محنة المرض في لحظة معيّنة.
بينما كنت أستمع إليك، فكّرت في ساعات الظّلام والقلق والألم التي عاشها يسوع المسيح عندما اقتربت ساعة موته. جاء في الأناجيل، في لَحظتَي العشاء الأخير والصّلاة في الجَتسَمانِيَّة، أنْ قد اقترب المساء، وحلّ الليل، كما روت أيضًا أنّه، قبل موته على الصّليب بقليل، "خَيَّمَ الظَّلامُ على الأَرضِ كُلِّها" (متّى 27، 45؛ لوقا 23، 44). في الواقع، لا يقتصر الأمر على ألم شخصيّ فحسب، فابن الله كان يحمل في جسده كلّ قلق البشريّة ووِحدتها وألمها. في تلك السّاعة المظلمة، وبينما كان يسوع يموت على الصّليب، شاركنا ألمنا وكشف لنا عن وجه الله الرّؤوف، الذي يحمل ثقل أوجاعنا، ويتألّم معنا، ويبكي بدموعنا، ويبقى إلى جانبنا بحضوره المليء بالمحبّة والرّحمة.
أن نعيش هذه الخبرة أمر صعب، كما تشهد بذلك الكتب المقدّسة مرارًا وتكرارًا، فهناك لحظات من الظّلام والألم التي تسكت عنها مجتمعاتنا، لأنّ بعض النّماذج الثّقافيّة تريدنا أن نكون دائمًا منتصرين وكاملين، ولهذا السّبب، يجب القضاء على الحدود فينا والضّعف والألم، وحصرهما في صمت صاخب في الوِحدة أو حتّى الخجل. وفي هذه اللحظات، يمكننا أن نفكّر تلقائيًّا أنّ الله أيضًا تخلّى عنّا. لكن صليب يسوع يقول لنا إنّ الله لا يتخلّى عنّا، وإنّ يسوع يبقى مصلوبًا معنا في لحظة الألم والوِحدة الشّديدة، وإنّه لا يكفكف دموعنا فقط، بل يسمع صرخة ألمنا التي لا يسمعها الآخرون، أمّا هو فقد ضمَّها إلى صرخته على الصّليب، لمَّا قال: "إِلهي، إِلهي، لِماذا تَرَكْتَني؟" (متّى 27، 46).
في تعليمٍ للبابا بندكتس السّادس عشر، خلال مقابلة عامّة له، عن السّاعات الأخيرة ليسوع، قال إنَّ ألم يسوع تحوّل إلى صلاة وصراخ، وإنّ هذا ينطبق علينا أيضًا: أمام أصعب المواقف وأكثرها إيلامًا، عندما يبدو لنا أنّ الله غائب، يجب علينا أن نُوكل إليه من جديد الأثقال التي نحملها في قلوبنا، حتّى لو صرخنا إليه، واحتججنا مثل أيّوب، ونكون واثقين أنّه سيكون بطريقة ما حاضرًا وقريبًا منّا، حتّى عندما يبدو لنا أنّه صامت. أعتقد أنّنا لا نستطيع أن نقوم بذلك وحدنا. في ساعات الألم، على الأقل بقدر الإمكان، يجب علينا أن نفتح قلبنا لشخص ما يساعدنا لنقول صلاة بسيطة، ويرافقنا بتحفّظ، ومن غير تسرّع ليفسّر لنا ألمنا، بل يأخذ بيدنا ويخرجنا من ذلك الصّراخ. هذه الخبرات تحمل رسالة لنا نحن المؤمنين أيضًا، وللكنيسة كلّها: يجب علينا ألّا نُعطي الألم صبغة روحانيّة، ونربطه بشكل سطحيّ بـ ”إرادة الله“ أو بأحد مخطّطاته الغامضة، لأنّ هذا يقلّل من شأن الألم، ويُسكته، ويجرح النّاس. لا يريد الله الألم، بل يحمله معنا ويدعونا إلى أن نثق به بثبات. لنتذكّر ما قاله البابا فرنسيس: مع الله، الحياة تولد من جديد دائمًا.
3. مساء الخير، أيّها الأب الأقدس. أنا من عائلة تعيش في حيّ فقير جدًّا في برشلونة. عندما كنت صغيرة، حاول أبي أن يقتل أمّي، التي استطاعت أن تنجو فقط بفضل تدخّل شابّ فقد حياته. انتهى الأمر بوالدي في السّجن، وسقطت أمّي في عالم المخدّرات. وأنا، في سنّ العاشرة، أخذتني خدمات الرّعاية الاجتماعيّة تحت رعايتها ووضعتني في مركز استقبال القاصرين في سان خوسيه دي لا مونتانيا (San José de la Montaña). في البداية كان الأمر صعبًا، لأنّني كنت قد بنيت جدارًا لحماية نفسي، ولم أسمح لأحد باختراقه. لكن شيئًا فشيئًا، اختبرت للمرّة الأولى محبّة العائلة، وفُتح قلبي. حدّثوني هناك عن يسوع، وبدأت أصلّي وقبلت سرّ المعموديّة. لكن خلال مرحلة المراهقة، تمرّدت على الله مرّات عديدة. دعيت يومًا إلى رياضة روحيّة، وهناك ولأوّل مرة، اختبرت محبّة الله. ثمّ مرّت بضعة أشهر وما زلت أجد صعوبة في أن أغفر لأبي. وأحيانًا أرفع عينَيَّ إلى السّماء وأسأله: "أين كنت عندما كنت طفلة؟". أيّها الأب الأقدس، كيف يمكنني أن أغفر لأبي، الذي كان على وشك أن يتركني بلا أمّ؟ كيف يمكنني أن أتصالح حقًّا مع الله؟
شكرًا على شهادتكِ وشكرًا أيضًا على سؤالكِ عن المغفرة. إنّها حقًا علامة على نعمة الله أن يخرج هذا السّؤال من ماضٍ مليء بالألم، وأنّه، على الرّغم من الألم، لديك الشّجاعة لتسألي كيف يمكن أن نغفر لمن أساء إليكِ. أودّ هنا أيضًا أن أقول أمرَين.
الأوّل يكمّل ما كنت أقوله سابقًا عن حضور الله في لحظات ألمنا، ففي النّهاية أنتِ أيضًا تطرحين هذا السّؤال بخصوص طفولتكِ، لكن السّياق الذي جرت فيه أحداث حياتكِ يتطلّب منّا أن نوسّع نطاق سؤالنا: هل يجب أن نسأل أنفسنا ”أين كان الله“ ؟ أم يجب أن نتساءل عن الإنسان والإنسانيّة، وكيف نكون أحيانًا أسرى الشّرّ إلى درجة أنّنا نصير عنيفين مع الآخرين، وكيف نفشل في تنمية المحبّة واحترام الآخرين في كرامتهم وحرّيّتهم؟
أخبار كثيرة عن الإجرام، اليوم أيضًا، تعكس مناخًا مسمومًا في العلاقات العائليّة، يتّسم بالإساءات والقمع، وبشكل خاص بالعنف ضدّ النّساء، وهذا للأسف يؤدّي في كثير من الأحيان إلى قتل النّساء. نحن جميعًا مدعوّون إلى أن نواجه هذا الواقع المأساويّ - الذي له جذور أنثروبولوجيّة وثقافيّة عميقة - سواء على مستوى الأشخاص أو المجتمع، لأنّه يقع على عاتقنا مواجهته بكلّ أبعاده. لا يمكننا أن ننسب إلى الله المسؤوليّة التي عُهدت إلينا، ولا يمكننا أن نتصوّر أنّ الله من عليائه، يستجيب تلقائيًّا لاحتياجاتنا أو يمنع بشكل عجائبي حدوث الشّرّ. منحنا الله الذّكاء والإرادة، وأعطانا ضميرًا، وألبسنا بالكرامة والحرّيّة، وقبل كلّ شيء، جاء إلينا ليدلّنا، بابنه يسوع المسيح، على الطّريق التي يجب علينا أن نسلكها حتّى تكون حياتنا إنسانيّة بصورة كاملة، وحتّى يسود العدل والسّلام والأخوّة في مجتمعنا. لقد أعطانا روحه نفسه، لكي تكون المحبّة بالتّحديد مفتاح كلّ علاقاتنا الإنسانيّة. فإن وجدنا العنف، وإن انتصرت الأنانيّة، وإن تحوّلت المحبّة بين أفراد العائلة إلى كراهية، فيجب علينا أن نطرح على أنفسنا بعض الأسئلة، عن أنفسنا، وعن ديناميّات مجتمعنا، وعن الثّقافة الفرديّة، وعن تجربة العنف، وليس عن الله.
الأمر الثّاني هو المغفرة. يجب أن نتعلّم أن نعتبر المغفرة علاجًا قويًّا ضدّ الشّرّ ويشفي جراحنا الدّاخليّة، وهو جزء من عمليّة، ومن مسيرة. الإنجيل نفسه، إن قرأناه ككتاب من الإرشادات والوصايا والواجبات، يوشك أن يسبّب لنا اليأس والإحباط الكبيرَين، لأنّنا بينما يدعونا يسوع إلى المغفرة، ندرك أنّنا غير قادرين على ذلك. لكن الأمر ليس كذلك. يجب قبل كلّ شيء أن نطلب المغفرة من الرّبّ يسوع، وأن نستمرّ في الطّلب – ربما كلّ حياتنا – لكي يوسّع الرّبّ يسوع فينا مساحة الحبّ في المكان الذي جُرِحنا فيه، وأن يساعدنا لنتصالح مع أنفسنا ومع ذلك الجزء من تاريخنا الذي اتسم بالآلام، وأن يحول ببطء الحقد إلى رحمة وشفقة. إنّها مسيرة طويلة، وهي عمليّة تتطلّب الكثير من الصّبر، وهي عمل في أنفسنا يجب أن نقوم به، سواء شخصيًّا أو بمسارات أخرى من المرافقة الرّوحيّة والمصالحة الدّاخليّة. ومن الضّروريّ ألّا نفقد الأمل: ففي المغفرة نتقدّم بخطوات صغيرة.
المصالحة مع التّاريخ هي عمليّة تدريجيّة، وقبل كلّ شيء، يجب ألّا نفكّر في أنّ المغفرة تعني دائمًا وفي كلّ الأحوال العودة إلى الوضع السّابق أو العيش في علاقة كاملة مع من جرحنا، خاصّة عندما يكون ما حدث مصحوبًا بالعنف. يمكننا أن نحافظ على نيّة طيّبة تجاه الشّخص، ونرفض أيّ شكل من أشكال الكراهية أو الانتقام، ونسعى جاهدين لإصلاح العلاقة قدر الإمكان، وربّما نصلّي من أجله أو من أجلها: سيساعدنا هذا لندخل أكثر فأكثر في ديناميكيّة المغفرة والمصالحة مع الله ومع الآخرين. فنحن خطأة نلنا المغفرة، وقد نلنا السّلام وأصبحنا قادرين على أن نغفر، وقادرين على أن نكون حاملي سلام.
__________________
عظة قداسة البابا لاوُن الرّابع عشر في عشيّة الصّلاة
أيّها الإخوة والأخوات الأعزّاء، أبناء وبنات الله الأحبّاء. نحن أيضًا مثل نيقوديمُس، حجّاجٌ في الليل. هذه الأيقونة الإنجيليّة تقدِّم لنا أوّلًا رسالةً عن مسيرة الحياة.
مسيرتنا، ورغباتنا، وكلّ ما نقبله ونعيشه يوميًّا، في الفرح والفشل، وفي الطّموحات والمشاريع، هو تعبيرٌ عن بحثنا الدّائم: نحن متسوّلون للمحبّة، وجائعون وعطاش إلى الحقيقة، نبحث عن معنى كامل يسندنا ويشجّعنا ويساعدنا لنفهم سرّ حياتنا. وبينما نتقدّم ببطء، خطوةً بعد خطوة، نحن مدعوّون إلى أن نتحاور مع شبه الظّلمة التي تكتنف وضعنا الإنسانيّ نفسه: إذ تنقصنا الحقيقة بكاملها، ولا نعرف معرفة عميقة سرّ ذاتنا ولا الوجه الحقيقيّ للآخرين، ولا ننجح دائمًا في أن نفهم الحقيقة الخفيّة للواقع الذي يحيط بنا وللأحداث التي تتجلّى أمام عيوننا. إنّنا نبحث عن نورٍ يضيء المسيرة والطّريق.
لكنّ نيقوديمُس يكلّمنا أيضًا على مسيرة الإيمان. فهي ليست طريقًا موازية لمسيرة حياتنا الإنسانيّة، بل المسيرَتَان متشابكَتَان دائمًا. وكما سمعنا في الإنجيل، فإنّ الله أحبّ العالم حبًّا كبيرًا حتّى إنّه أعطانا ابنه الوحيد، وفيه اتّحد إلى الأبد بجسدنا. فهو دائمًا إلى جانب الآب وإلى جانبنا. وهكذا، كلّما انكشف سرّ حياتنا على نور يوم جديد، في كلّ ما نحن وما نعمله، نكون في حضرة الله ونحظى بحمايته الأبديّة: فحياتنا "مُحتَجِبَةٌ معَ المسيحِ في الله" (قولسي 3، 3). ومع ذلك، فإنّنا نختبر أحيانًا ليل الإيمان، ومشقّة الإيمان، وإرهاق الرّوح، والشّعور بعدم الكفاءة أمام دعوة الإنجيل، ومرارة فشلنا، والخوف من ألّا نكون على مستوى الدّعوة.
أيّها الإخوة والأخوات، نيقوديمُس يعلّمنا أنّ هذه الليالي، التي ترافق حياتنا ومسيرة إيماننا والتّاريخ الذي نعيشه، هي موضع بركة، ومكان للولادة الجديدة، ورحمٌ يلد دائمًا حياةً جديدة. فهذه الليالي تجرّدنا وتعيدنا إلى ما هو جوهريّ وأساسيّ، وتنزع عنّا الأقنعة البشريّة والدّينيّة التي نرتديها في النّهار، لكي لا يعرفنا النّاس أو لكي نقدِّم صورةً عن أنفسنا تختلف عمّا نحن عليه، وتتركنا عراةً في أنوارنا وظلالنا، فتردّنا إلى التّواضع لننظر إلى أنفسنا على حقيقتها، بعيدًا عن غرور الاعتقاد بأنّ مسيرتنا قد اكتملت، وأنّنا نسير وكأنّ لنا نورًا واضحًا على كلّ شيء، وعلى الجميع، وحتّى على الله.
هذا ”الفراغ“ الذي يخلقه الليل، حتّى عندما يظهر في صورة ألمٍ أو عدم رضى، أو فشل أو عدم إيمان، يمكن أن يكون فرصةً لنَقبَلَ حياة جديدة، فنتغيّر ونتجدّد، و”نولد مِن عَلُ“، كما قال يسوع لنيقوديمُس. فالله، في الواقع، لم يأتِ ليدين العالم بسبب خطيئته وليل عدم أمانته، بل أرسل ابنه ليخلِّص العالم، وليمنحه الحياة الأبديّة.
لهذا نحن أيضًا مدعوّون ألّا ندين ”الليالي“، لا ليالي حياتنا، ولا ليالي الكنيسة، ولا ليالي المجتمع الذي يحيط بنا. بل يجب، في الليل، أن نبدأ طريقنا ونسير كما عمل نيقوديمُس، ونواصل مخاطبة الرّبّ يسوع، ونفتح أنفسنا على ريح الرّوح القدس، لكي نقبل الليل بعد الآن لا كعلامة فشل، بل كبداية حياة جديدة.
وإذ نفكّر في مسيرتنا الشّخصيّة، وكذلك في ليالي مسيرتنا الكنسيّة وليالي إسبانيا، ومدنها، وأوجه فقرها القديمة والجديدة، ومجتمعها وثقافتها، يمكننا أن نتساءل: ما هي الليالي التي نعبرها؟ وماذا توحي إلينا؟ وعندما ندخل فيها وننظر، بتواضع ومن دون أحكام مسبقة، إلى حقيقة ما نحن، فما الذي نحن مدعوّون إلى تغييره؟ وأين يجب أن نتجدّد؟ وفي أيّ اتّجاه نريد أن نسير؟ وأيّ مجتمع نريد أن نبني؟
لا نتوقّف عن البحث، وعن التّساؤل، وعن الحوار، مع الله وفيما بيننا، حتّى في قلب الليل. لنسر معًا في الإيمان الذي يوفّق بين تنوّع أفكارنا وأحاسيسنا، بحثًا عن الحقيقة التي تقودنا نحو الخير العام، لكي يكون هذا البلد مكانًا رحبًا ومضيافًا للجميع، حيث يُحترَم كلّ إنسان في كرامته الشّخصيّة ويكون محبوبًا كما هو. ولنفتح أنفسنا على الرّوح القدس المعطَى لنا، فنبحث عن الرّبّ يسوع كما بحث عنه نيقوديمُس، ونقبل نور إنجيله، على يقين بأنّنا سنختبر في ذاتنا حياةً جديدة، وحضورًا يبارِك، ومحبّةً مجانيّة تساعدنا لنعبر من الليل إلى النّور. لأنّ الله يريد ألّا يهلك أحد، وهو يريد منذ الآن أن يمنحنا الحياة الأبديّة، ليقودنا إلى السّعادة التي لا نهاية لها.
ليمنحنا الرّبّ يسوع، بشفاعة سيِّدتنا مريم العذراء، أن نفتح أنفسنا له ونترك روحه القدّوس يحرّكنا مثل الرّيح ويجدّدنا.
***********
© جميع الحقوق محفوظة – حاضرة الفاتيكان 2026
Copyright © دائرة الاتصالات - Libreria Editrice Vaticana